دراسة جديدة تكشف كيف يقرأ الآخرون ثقتك من وجهك
كشفت دراسة علمية حديثة أن حركتين خفيفتين في الوجه قادرتان على تغيير الانطباع الذي يتركه المتحدث لدى مستمعيه تمامًا، بمعزل عن محتوى كلامه أو نبرة صوته.
ويبدو أن لغة الوجه تؤدي دورًا محوريًا في التواصل الإنساني يفوق ما كان يُتصور سابقًا، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مفهوم الثقة وطريقة إيصالها.
علاقة حركات العينين بالثقة
أثبت الباحثون في جامعة جلاسكو أن حركات الحاجبين والعينين أثّرت تأثيرًا ملموسًا في مدى تقدير المستمعين لثقة المتحدث.
وخلصت الدراسة إلى أن رفع الحاجبين والرمش البطيء يرتبطان بانطباع الثقة، بينما يرتبط تقطيب الجبهة وتضييق العينين بانطباع الشك والتردد.
أوضحت البروفيسورة راشيل جاك، الباحثة الأولى المشرفة على الدراسة، أن هذه الارتباطات بين رفع الحاجب وإغلاق العين من جهة، وخفضهما وتضييقهما من جهة أخرى، تثبت صحتها عبر الثقافات المختلفة، ونشرت الدراسة في مجلة Proceedings of the Royal Society B.
وأشارت جاك إلى أن النتائج تُثبت أن هذه الحركات لا ترافق الكلام فحسب، بل تُشكّل بنشاط الطريقة التي يُفهم بها.
ويُضيف هذا الاكتشاف بُعدًا جديدًا لفهم لغة الوجه ودورها في تشكيل إدراك المستمع لمستوى ثقة المتحدث.
دور حركة الوجه في إظهار الثقة
أنشأ فريق البحث متحدثين رقميين مولّدين بالحاسوب يمثّلون خلفيتين ثقافيتين مختلفتين ليجيبوا على أسئلة، وعمد الباحثون إلى تغيير حركات منطقة العينين والحاجبين لديهم مع إبقاء الكلمات المنطوقة والنبرة الصوتية ثابتتين تمامًا.
واشتمل الاختبار على 44 مشاركًا؛ نصفهم من المتحدثين البريطانيين، ونصفهم الآخر من المتحدثين الصينيين.
شاهد المشاركون من الثقافتين الغربية الأوروبية والشرق آسيوية النسخ المختلفة من المتحدثين وقيّموا مستوى الثقة في إجاباتهم، ووجد الباحثون أن الحاجبين المرفوعين والعينين المغمضتين قليلًا يرتبطان بمزيد من الثقة لدى المجموعتين معًا.
وهذا التوافق بين ثقافتين بعيدتين جغرافيًا ولغويًا يمنح النتائج قدرًا أكبر من المصداقية والقابلية للتعميم.
وأكد الباحث يوناس نوله، الذي قاد الدراسة، أن تغيير حركات وجه المتحدث مع إبقاء المحتوى اللفظي ثابتًا يُغير ما إذا كانت الإجابات تبدو واثقة أو مترددة، ويُقدّم هذا التصريح دليلًا تجريبيًا صريحًا على أن لغة الوجه تعمل باستقلالية عن الكلمات.
ماذا يعني هذا في التواصل اليومي؟
تتخطى أهمية هذه الاكتشافات نطاق المختبر لتمس الحياة اليومية مباشرة؛ إذ تُبيّن أن الانطباع الذي يتركه الشخص في مقابلة عمل أو اجتماع أو خطاب عام لا يتشكّل من الكلمات وحدها. فالمستمع يبني حكمه على منظومة إشارات متكاملة يأتي الوجه في مقدمتها.
وقد أبرزت الدراسة أن هناك إشارات لغوية وصوتية مرتبطة بالشك أصلًا، كاستخدام كلمات التردد ورفع نبرة الصوت في نهاية الجملة.
أكد الباحثون أن نتائجهم تُسلّط الضوء على الدور المحوري الذي تؤديه حركات الوجه في التواصل الإنساني، إلى جانب اللغة والإيماءات غير اللفظية الأخرى.
ومن الناحية العملية، تعني هذه النتائج أن تدريب الوجه على إطلاق الإشارات الصحيحة قد يُحدث أثرًا أعمق مما تُحدثه ساعات من التدريب على الخطابة وحدها.
وتبقى الإشارة إلى أن هذه الدراسة استعانت بمتحدثين رقميين لا بشريين فعليين، وهو ما قد يُقيّد التعميم المباشر؛ غير أن توافق النتائج عبر ثقافتين مختلفتين يُعزز الثقة بصحة الاستنتاجات.
هل وضعيات الجسد لها دور مماثل؟
اكتسب مفهوم "وضعية القوة" شهرة واسعة بعد دراسة نُشرت عام 2010، أفادت بأن اتخاذ وضعية جسدية متمددة خفّض مستويات الكورتيزول، وزاد مستويات التستوستيرون، وجعل الناس يشعرون بقدر أكبر من القوة والاستعداد للمخاطرة، وراجت هذه الفكرة رواجًا واسعًا حتى باتت توصية متداولة قبل المقابلات والعروض التقديمية.
غير أن أستاذ علم النفس ماركوس كريدي استعرض نحو 40 دراسة حول الموضوع ولم يجد فيها دراسة واحدة تدعم ادعاءات نجاعة وضعية القوة.
وتبيّن له أن معظم هذه الدراسات افتقرت إلى تصميم سليم، إذ اقتصرت على مقارنة وضعيات القوة بوضعيات انكماشية كالانحناء، دون تضمين وضعية محايدة للمقارنة.
وعلّق كريدي قائلًا: "أجد هذا مذهلًا في ظل الصناعة متعددة الملايين التي بُنيت حول وضعية القوة، وهي لا تختلف عن دواء يُباع للجمهور دون أن تتمكن دراسة واحدة من إثبات أنه يعمل أفضل من الدواء الوهمي"، وهكذا تتحول الأنظار من الجسد بأكمله إلى منطقة الوجه، حيث تكمن الإشارات الأكثر تأثيرًا وفق أحدث الأبحاث.
