قميص المنتخب ليس خيارًا دائمًا.. كيف تُحوّل لوائح «فيفا» الاستدعاء الرسمي إلى «التزام قانوني»؟
قد يعتقد البعض أن لاعب كرة القدم يملك الحرية الكاملة في قبول أو رفض القميص الوطني، لكن كواليس اللوائح تخفي واقعًا مختلفًا.
تنتهي المساحة القانونية لخيارات لاعب كرة القدم بشأن تلبية استدعاء المنتخبات الوطنية بمجرد إصداره رسميًا، وفقًا للوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والتشريعات الوطنية ذات الصلة؛ حيث يُحَوّل الاستدعاء الرسمي قرار المشاركة من رغبة شخصية إلى التزام قانوني ملزم يرتبط بتوقيت صدور الخطاب.
ويُعد الرفض المبكر -قبل صدور الاستدعاء الرسمي- الإجراء الأقل تكلفة من الناحية القانونية؛ حيث يحق للاعب حينها إبلاغ الاتحاد الوطني برغبته، مع احتفاظ الاتحاد بحق القبول أو الرفض، وذلك وفقًا لما نشر في Tribuna.
وفي هذا السياق، أعلن اللاعب سفيان أمرابط في سبتمبر 2026 عدم رغبته في اللعب للمنتخب المغربي تحت قيادة المدرب محمد أوهبي دون إعلان اعتزاله الدولي رسميًا، واستجابةً لذلك لم يوجه له أوهبي الاستدعاء، ما حال دون ترتب أي التزامات قانونية على الطرفين.
وتنص لوائح «فيفا» على ملزمية الاستدعاء الرسمي لكل من النادي واللاعب خلال النوافذ الدولية المعتمدة، بشرط توجيه الخطاب الكتابي الرسمي إلى اللاعب وناديه قبل 15 يومًا على الأقل من بدء فترة المباريات الدولية المعتمدة.
أسباب عدم قبول لاعبين طلب منتخباتهم الوطنية
الاستدعاء الرسمي: التزامات لا تفاوض فيها
بمجرد أن يصدر الاستدعاء الرسمي للاعب للانضمام إلى المنتخب، تصبح خياراته محدودة جدًا.
وتعد الطريقة الوحيدة للخروج من القائمة دون مشاكل هي "الاتفاق الودي" بين الطرفين، كما حدث مع اللاعب رافينيا عام 2015؛ فقد طلب بنفسه من الاتحاد البرازيلي حذف اسمه من القائمة بعد إدراجها، وبرر ذلك بأن فرصه في المنافسة على مركز الظهير أصبحت ضعيفة.
ووافق المدرب دونغا على طلبه بمرونة ودون أي توتر، وهو ما سمح للاعب بالعودة لاحقًا لصفوف المنتخب عام 2017 تحت قيادة المدرب تيتي، وفي المقابل، فإن رفض اللاعب للانضمام من طرف واحد ودون موافقة الاتحاد يدفعه مباشرة نحو العقوبات التأديبية.
وتعتبر حالة اللاعب نيكولا أنيلكا عام 2002 مثالاً واضحًا على ذلك، عندما رفض السفر إلى معسكر "كليرفونتين" بعد استدعائه لمنتخب فرنسا ليكون بديلاً للاعب المصاب سيدني غوفو، ولكن المشكلة تمثلت في أن الاستدعاء أُرسل قبل المباراة بثلاثة أيام فقط بدلاً من المهلة القانونية المحددة بـ 15 يومًا.
وبسبب هذا الخطأ الإجرائي، رفض الاتحاد الإنجليزي تطبيق عقوبة الإيقاف التي فرضها الاتحاد الفرنسي خارج حدود فرنسا، وهكذا تسبب خطأ إجرائي واحد في إبطال الأثر الدولي للعقوبة.
عقوبة عدم قبول طلب المنتخب
تخلو لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) من نص يقرر عقوبة موحدة بحق اللاعبين الرافضين للاستدعاءات الدولية، إذ يخضع تحديد العقوبة لملابسات كل حالة على حدة وللأنظمة الخاصة بالاتحاد المحلي المعني.
وتُعد واقعة قائد المنتخب الكاميروني السابق صامويل إيتو عام 2011 من أبرز الأمثلة على ذلك، حيث واجه عقوبة مشددة عقب قيادته إضرابًا جماعيًا للاعبين ورفض السفر لخوض مباراة ودية أمام الجزائر احتجاجًا على تأخر المستحقات المالية.
وأصدر الاتحاد الكاميروني حينها قرارًا بإيقافه 15 مباراة دولية، قبل أن يُقلص القرار لاحقًا إلى الإيقاف لمدة ثمانية أشهر.
وعقب انقضاء مدة العقوبة، رفض إيتو العودة لتمثيل المنتخب معللاً قراره بعدم حل المشكلات التنظيمية داخل الاتحاد، دون أن تتخذ بحقه أي عقوبة إضافية، ليغلق الملف بعد ذلك عبر القنوات التفاوضية.
في المقابل، نال سيرج كييزا عام 1974 غرامة مالية وإيقاف مباراتين بعد مغادرته معسكر فرنسا قبل مباراة مهمة، في سابقة كانت الأولى من نوعها تقريبًا في تاريخ المنتخب الفرنسي.
التقاعد الدولي: مخرج قانوني لكنه غير مضمون
تتيح اللوائح الرياضية للاعبين خيار إنهاء مسيرتهم الدولية، إلا أن الاتحادات الوطنية تملك حق الاعتراض على هذا القرار.
وتبرز تجربة المدافع جويل ماتيب عام 2015 كإحدى أبرز هذه الحالات، حين أعلن اعتزاله اللعب مع المنتخب الكاميروني للتفرغ لفرقه ليفربول الإنجليزي؛ غير أن الاتحاد الكاميروني امتعض من القرار ولم يُحيط النادي رسميًا بحرية مشاركة اللاعب خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 2017، موجهًا الأمر إلى "فيفا".
ونتيجة لذلك، فضل ليفربول اتخاذ جانب الحذر باستبعاد ماتيب من عدة مباريات لحين حسم الملف قانونيًا، ليقرر الاتحاد الدولي في النهاية رفض اعتراضات الكاميرون، بعدما كان الضرر الرياضي قد وقع بالفعل على النادي واللاعب.
وفي المقابل، اتسمت تجربة النجم الفرنسي فرانك ريبيري بأسلوب أكثر سلاسة عام 2014، عندما أعلن إنهاء مشواره الدولي عقب خوضه 81 مباراة قميص "الديوك"، مستندًا إلى تفاهم مسبق مع المدرب ديدييه ديشان الذي استبعده نهائيًا من حساباته الاستدعائية.
ورغم التحفظ العلني الذي أبداه رئيس "يويفا" آنذاك ميشيل بلاتيني بتصريحه الشهير: "اللاعب لا يملك قرار تمثيل بلاده، بل المدرب هو صاحب القرار"، إلا أن التوافق الضمني بين ريبيري وديشان قطع الطريق أمام أي تصعيد أو نزاع إجرائي.
إصابة أم تهرب؟ فيفا يضع آليات للتحقق
تُعدّ الإصابة من أبرز الذرائع المستعملة للغياب عن الاستدعاءات الدولية، ما دفع الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" لمنح الاتحادات الوطنية حق إلزام اللاعب بالفحص الطبي عبر طبيب مستقل للتأكد من سلامة ادعائه.
وتتفاوت تعاملات الاتحادات مع هذه الحالات؛ ففي عام 2014 خضع سيسك فابريجاس لفحص طبي بطلب من الاتحاد الإسباني عقب إعلان تشيلسي إصابته بإجهاد في العضلة الخلفية، واقتنع الاتحاد بالنتائج ليُعفى اللاعب رسميًا.
وفي المقابل، شكك الاتحاد الأسترالي عام 2004 في إصابة مارك فيدوكا ورفع الأمر إلى "فيفا"، ما ترتب عليه حرمان اللاعب من المشاركة مع فريقه ليدز يونايتد أمام مانشستر يونايتد في ملعب أولد ترافورد.
وتظهر قضية المهاجم السنغالي ديافرا ساخو مع نادي وست هام عام 2015 كنموذج واضح لسوء استخدام هذا العذر؛ حيث أُبلغ الاتحاد السنغالي بعدم قدرة اللاعب على السفر جوًا لرحلة طويلة بسبب إصابة في الظهر حرمته من المشاركة في أمم أفريقيا، ليُفاجأ الجميع بدخوله بديلاً وتسجيله هدف الفوز لوست هام في كأس الاتحاد الإنجليزي بعد 18 يومًا فقط.
وعلى إثر ذلك، فرض "فيفا" غرامة مالية قدرها 100 ألف فرنك سويسري على النادي الإنجليزي مع توجيه توبيخ رسمي.
حين يرفض فريق بأكمله: معادلة مختلفة كليًا
يمثل الرفض الجماعي أداة ضغط استثنائية تقلب موازين القوى بين اللاعبين والاتحادات وتجلى ذلك في احتجاج لاعبات المنتخب الإسباني عام 2023 عقب أزمة لويس روبياليس.
ولوّح الاتحاد بتطبيق قانون الرياضة المحلي الذي ينص على غرامات مالية تتراوح بين 3 آلاف و30 ألف يورو، إلى جانب إمكانية تعليق الرخصة الرياضية لمدة تتراوح بين سنتين و15 سنة.
ورغم هذه التهديدات، غادرت لاعبتان المعسكر دون أن تطالهما أي عقوبات، بفضل التدخل المباشر لوزير الرياضة ميكيل إيسيتا وتوسّط المجلس الأعلى للرياضة للتتوصل إلى تسوية حمت اللاعبات.
أمّا التجربة الدنماركية عام 2018 فقد بلغت مستويات أشد تعقيدًا؛ إذ أضرب عناصر المنتخب الأول عن خوض مواجهة سلوفاكيا إثر خلاف تجاري حول حقوق الرعاية مع الاتحاد المحلي.
واضطرت الدنمارك حينها إلى خوض اللقاء بـ"فريق طوارئ" هجين تشكّل من لاعبي الدرجات الأدنى والكرة الخماسية، وكان بينهم بائع إنترنت، لتنتهي الموقعة بخسارتهم بثلاثية نظيفة؛ غير أن هذا الضغط نجح في نهاية المطاف في إرغام الاتحاد على توقيع اتفاقية جديدة امتدت لست سنوات.
وتُثبت هذه الشواهد مجتمعةً أن هامش الحرية الأكبر لدى اللاعب يكمن في التمهيد لرفض التمثيل الدولي قبل صدور القائمة الرسمية؛ أما بعد إعلان الاستدعاء، فإن الحاسم في الملف لا يتوقف فقط على المواد القانونية واللوائح الصارمة، بل على مدى استعداد الاتحاد لتقبّل قرار الرفض واستيعاب تبعاته السياسية والرياضية.
