أخطاؤك ليست عيبًا دائمًا.. كيف يستفيد عقلك من المواقف المحرجة؟
قد يبدو تجنب المواقف المحرجة والرغبة الدائمة في الظهور بصورة مثالية أمرًا طبيعيًا، لكن دراسة تناولتها مجلة «Psychology Today» تشير إلى مفارقة لافتة، الظهور بشكل سخيف أو ارتكاب الأخطاء أمام الآخرين قد لا يكون تجربة سلبية كما نعتقد، بل يمكن أن يحمل فوائد للعقل والصحة النفسية.
فالخوف من نظرات الآخرين أو التعرض للسخرية قد يدفع الإنسان إلى تجنب مواقف وتجارب كثيرة، من التحدث أمام الجمهور إلى تعلم مهارة جديدة، ومع الوقت، قد يتحول هذا الخوف إلى حاجز يحد من فرص التعلم والتجربة والاستمتاع بالحياة.
الإحراج قد يكون مفيدًا للعقل
بحسب المقال المنشور في «Psychology Today»، فإن الإنسان بطبيعته يهتم بنظرة الآخرين إليه، لأن البشر كائنات اجتماعية، وكان الانتماء للمجموعة عبر التاريخ مرتبطًا بالبقاء.
وتشير أبحاث حول «التهديد الاجتماعي» إلى أن المواقف التي يشعر فيها الإنسان بأن مكانته الاجتماعية مهددة يمكن أن تؤدي إلى استجابات نفسية وجسدية، مثل القلق والخجل وارتفاع مستويات التوتر وتغير معدل ضربات القلب.
لكن التعرض لموقف محرج ثم تجاوزه بسلام يمنح الدماغ معلومة جديدة ومهمة: قد يراني الآخرون في موقف سخيف، لكن شيئًا خطيرًا لم يحدث.
ومع تكرار هذه التجارب، يمكن أن تتوسع قدرة الإنسان على تحمل الإحراج، بدلًا من أن يظل أسيرًا لمحاولات تجنبه، فالهروب المستمر من الإحراج قد يجعل دائرة الحياة أضيق، بينما تقبل قدر بسيط منه قد يفتح المجال أمام تجارب وفرص جديدة.
المرونة العصبية للتجارب الجديدة
لا يتوقف الأمر عند الإحراج، إذ إن تعلم أي مهارة جديدة يتطلب في البداية تقبل فكرة عدم الإتقان، وهنا تظهر أهمية «المرونة العصبية»، وهي قدرة الدماغ على التغير والتكيف استجابة للتجارب والتعلم.
فعندما يبدأ الإنسان في تعلم شيء جديد، لا يستطيع الاعتماد بالكامل على العادات والأنماط المألوفة، ويضطر عقله إلى الانتباه والتكيف مع المعلومات الجديدة، وتشير أبحاث اكتساب المهارات إلى حدوث تغيرات وظيفية وتركيبية في الدماغ مع التدريب والتعلم.
لذلك، فإن السماح للنفس بأن تكون «سيئة» في البداية قد يكون جزءًا ضروريًا من عملية التعلم، بدلًا من التخلي عن التجربة خوفًا من الفشل أو السخرية.
تقبل المواقف الطريفة
يرتبط تقبل المواقف الطريفة والمحرجة أيضًا بقدرة الإنسان على اللعب والاستمتاع، وعلى عكس الاعتقاد الشائع بأن اللعب نشاط خاص بالأطفال، تشير أبحاث عن اللعب لدى البالغين إلى ارتباطه بالسعادة والرفاه النفسي.
ويمكن للعب أن يساعد على حل المشكلات وفتح المجال أمام الإبداع، كما ارتبط الضحك في بعض الأبحاث بانخفاض مستويات هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر.
وفي النهاية، قد يكون تقبل الظهور بشكل غير مثالي وسيلة لتوسيع مساحة التجربة والتعلم والاستمتاع، فبدل قضاء الحياة في محاولة مستمرة لتجنب الإحراج، قد يكون من المفيد إدراك أن بعض المواقف المحرجة تمر ببساطة، وأن الفشل في البداية لا يعني الفشل إلى الأبد، بل قد يكون الخطوة الأولى نحو اكتساب مهارة جديدة وعقل أكثر مرونة وحياة أكثر تلقائية.
