كيف تختار بثقة وتتجنب الحسرة في قراراتك المهنية والشخصية؟
في رؤية نفسية غير تقليدية، كشف خبير علم النفس الأمريكي الدكتور مارك ترافرز، عن استراتيجية سلوكية غير متوقعة لدى الأشخاص الذين يتخذون قرارات دون تردد أو ندم.
وأوضح أن الفارق الحقيقي بينهم وبين غيرهم لا يعود إلى قدرة تحليلية أرفع لحظة المفاضلة، بل إلى حسم خياراتهم ذهنيًا قبل الوصول إلى لحظة القرار الفعلية، وهو ما يغير المفاهيم السائدة حول كيفية اتخاذ القرارات المصيرية.
ويغير هذا الطرح المفاهيم التحريرية والسلوكية السائدة حول عملية اتخاذ القرارات المصيرية في الحياة المهنية والشخصية.
لماذا تُؤخذ القرارات بسرعة؟
أشار الخبير إلى أن النصائح التقليدية الراغبة في تحسين جودة الحياة تفترض دائمًا أن التحدي الحقيقي يكمن في لحظة الحسم نفسها، أي عند طرح البدائل مباشرة؛ حيث يسود اعتقاد مريح بأن التفكير العقلاني والواضح أمام الخيارات يضمن حتمًا الوصول إلى القرار الأفضل.
وفي المقابل، نفى متخصصون في علم النفس وصنع الحكم الذاتي صحة هذا الاعتقاد الشائع، مؤكدين أن العوامل الأساسية التي تحدد مشاعر الشخص ومدى رضاه عن قراره بعد مرور عام كامل -كالمفاضلة بين عرضي عمل مُغريين أو الانتقال إلى عقار جديد- تكون قد حُسمت بالفعل في وقت سابق، وغالبًا قبل أن يدرك هو نفسه أنه يخوض رحلة اتخاذ القرار.
وأشار إلى أن الأشخاص الذين لا يشعرون بالندم لا يمتلكون قدرات أو أدوات تحليلية خارقة تتفوق على غيرهم لحظة المفاضلة، بل يكمن سرهم في الاعتماد على تهيئة ذهنية مسبقة تسبق عملية الاختيار بمسافة طويلة.
عادات الأشخاص الحاسمين
وتتمثل العادة الأولى والأساسية لهؤلاء الأفراد في الإجابة عن سؤال جوهري: "كيف تبدو النتيجة المرجوة والمثالية بالنسبة لي؟"، وذلك قبل الاطلاع على أي عرض أو خيار متاح.
ويعد تحديد ما يهم الفرد حقًا بمعزل عن المؤثرات الخارجية يمنحه بوصلة واضحة ومستقلة، تمنع انجرافه خلف التفاصيل البرّاقة التي قد تبدو جاذبة ظاهرياً ولكنها لا تناسب تطلعاته الحقيقية.
وتجعل هذه الخطوة المبكرة عملية اتخاذ القرارات سهلة وواضحة، لأن المعايير تكون قد صيغت بعيدًا عن ضغوط اللحظة وتشتت البدائل.
ومن وجهة نظر المراقب الخارجي، قد يبدو هؤلاء الأشخاص وكأنهم يمتلكون حرصًا أقل أو يستغرقون وقتًا أقصر في التفكير مقارنة بغيرهم، بينما هم في الواقع يتجنبون الإرهاق الذهني الناجم عن إعادة تقييم الأولويات في كل مرة تتعدد فيها الخيارات.
سلوكيات اختيار القرارات بسرعة
تمثل العادة الثانية سلوكًا إراديًا لكبح التفكير المفرط أثناء الاختيار؛ فالقادرون على حماية أنفسهم من الندم يمارسون "التجاهل الاستباقي" للمغريات الثانوية؛ حيث يتجنبون استنزاف طاقتهم الذهنية في تمحيص التفاصيل الطارئة، ويركزون فقط على قياس الخيارات المطروحة وفق المعايير المعتمدة لديهم مسبقًا.
ويضمن هذا الانضباط المبكر أن تأتي النتيجة متسقة مع القيم الشخصية والأهداف طويلة المدى؛ فبدلاً من الوقوع في فخ المقارنات المجهدة التي تغذي الشك والتردد، ينعكس هذا النهج إيجابًا على الصحة النفسية وشعور الفرد بالرضا الذاتي.
وفي النهاية، تبرهن الرؤى النفسية على أن المفتاح الحقيقي لتجنب الحسرة لا يكمن في إطالة زمن التفكير أثناء المفاضلة، بل في الوعي المسبق بالاحتياجات الفعلية.
ومن خلال تبني هذه العادة الذهنية المبكرة، يصبح اتخاذ القرارات عملية سلسة تضمن تحقيق الرضا المستدام والابتعاد التام عن مشاعر الندم.
