الكرياتين والدماغ.. ماذا تقول الدراسات عن تأثيره في القدرات الذهنية؟
على الرغم من أن وزن الدماغ لا يتعدى 2% من إجمالي كتلة الجسم، إلا أنه يستنزف خمس طاقته بالكامل للقيام بوظائفه الحيوية.
هذا الاحتياج الهائل للطاقة جعل من "الكرياتين" محط اهتمام البحث العلمي الحديث، ليس فقط كداعم للعضلات، بل كمحرك محتمل للوظائف الإدراكية تحت ظروف الضغط والإجهاد.
ووفقًا لما نشر في Psychology Today، يعد مصدر هذه الطاقة هو جزيء ATP، والكرياتين يُسهم في إعادة تكوينه عبر نظام الفوسفوكرياتين.
وفي العضلات، يعد هذا النظام جوهريًا لأداء التمارين المتقطعة عالية الكثافة. أما في الدماغ، فيُحتمل أن يُساعد الخلايا على إدارة متطلبات الطاقة المتذبذبة خلال حالات كالحرمان من النوم أو الإجهاد الذهني أو نقص الأكسجين.
وأشارت البحوث المختبرية والحيوانية كذلك إلى أن الكرياتين قد يؤثر في الإجهاد التأكسدي وانتقال الإشارات العصبية ومرونة الخلايا.
غير أن هذه الآليات لا تُثبت تلقائيًا أن تناول المكمل يُحسّن الذاكرة أو المزاج أو الحماية العصبية لدى البشر. فالآلية البيولوجية المعقولة مبرر للدراسة، لا دليل على الفاعلية.
هل الكرياتين يحسن القدرات الذهنية؟
خلصت مراجعة علمية قادها الباحث دارن كاندو عام 2026 بعنوان "الكرياتين والدماغ: هل تسرّعنا في الاستنتاج؟" إلى أن الكرياتين قد يفيد الدماغ في حالات إجهاد محددة، لكن التجارب على البشر ما زالت غير كافية لدعم الادعاءات الشائعة حول قدرته الشاملة على تحسين القدرات الذهنية.
وكشفت دراسة شاملة نُشرت عام 2024، ضمت 492 شخصًا عبر 16 تجربة عشوائية ضبطت متغيراتها، عن تحسن طفيف في سرعة معالجة البيانات، ونطاق الانتباه، والذاكرة.
لكن التحسن في الإدراك الكلي والوظائف التنفيذية لم يبلغ حد الدلالة الإحصائية. زيادة على ذلك، رصد تعليق منهجي على هذا التحليل مشكلة في معالجة البيانات أفضت إلى المبالغة في دقة النتائج الإجمالية.
وتنحصر الأدلة الأكثر قوة حاليًا في حالات خاصة فحسب، مثل الحرمان من النوم، والإجهاد الذهني، ونقص الأكسجين. أمّا بالنسبة للشباب الأصحاء في ظروفهم الطبيعية، فلا تزال النتائج متضاربة وغير مؤكدة.
تأثير الكرياتين على مرضى ألزهايمر
يجري حاليًا تقييم الكرياتين في حالات مرتبطة بضعف استقلاب طاقة الدماغ، من بينها الاكتئاب الحاد والارتجاج الدماغي الخفيف وألزهايمر وإجهاد ما بعد كوفيد.
هذه مجالات بحثية مهمة، لكن الدراسات لا تزال صغيرة الحجم واستكشافية الطابع وتستهدف أساسًا تقييم السلامة والجدوى لا إثبات الفاعلية السريرية.
وجدت دراسة تجريبية محدودة على مرضى ألزهايمر أن تناول الكرياتين آمن ومرتبط بتحسينات أولية في الذاكرة العاملة والوظائف التنفيذية. هذه النتائج مشجعة، لكنها لا تُثبت أن الكرياتين يُعالج المرض أو يُبطئ التدهور المعرفي.
ويعتمد قياس مستوى الكرياتين في الدماغ على تقنية طيف الرنين المغناطيسي MRS، وهي غير تدخلية لكن نتائجها تتأثر بعوامل متعددة: مثل المنطقة الدماغية المقيسة وإعدادات الجهاز وجودة الإشارة وطرق معالجة البيانات. هذا التباين المنهجي يُصعّب المقارنة بين الدراسات.
ورصدت بعض الدراسات ارتفاعًا في مستوى الكرياتين الدماغي بعد المكمل، لكن حجم الارتفاع يتفاوت تفاوتًا كبيرًا.
ويبقى السؤال الجوهري معلقًا: هل الارتفاع في مستوى الكرياتين الدماغي يترجم فعلاً إلى تحسن ملحوظ في الذاكرة أو التركيز أو الصحة الإدراكية على المدى البعيد؟ الإجابة لا تزال غائبة.
فوائد الكرياتين
الجرعة المثلى غير محددة حتى الآن؛ فمعظم الدراسات استخدمت 3 إلى 5 جرامات يوميًا لكن لم يُثبت بعد ما إذا كانت جرعات أعلى أو فترات أطول ضرورية لتأثير إدراكي موثوق.
ومدة الاستخدام الملائمة مجهولة كذلك إذ إن معظم التجارب امتدت أيامًا أو أسابيع لا سنوات. الفئات الأكثر استفادةً محتملة تشمل النباتيين وكبار السن والأشخاص الذين يعانون إجهادًا مزمنًا أو ضعفًا في استقلاب الطاقة، لكن هذا الترجيح يحتاج إلى تأكيد تجريبي.
ويُعد الكرياتين مونوهيدرات أحد أكثر المكملات الغذائية موثوقية في تحسين الأداء الرياضي، بينما تستمر الأبحاث العلمية في دراسة تأثيره على صحة الدماغ.
وتشير الدراسات إلى أن الادعاء الأكثر دقة حول فوائده الذهنية يكمن في قدرته على دعم بعض جوانب الأداء الإدراكي، لا سيما عندما يواجه الدماغ ظروفًا من الضغط الاستقلابي.
أما دوره في الوقاية من التدهور المعرفي أو علاج الأمراض العصبية فلا يزال في دائرة الاحتمال لا اليقين.
وتظل الركائز الأساسية لصحة الدماغ أكثر رسوخًا: النوم الكافي والنشاط البدني المنتظم وإدارة عوامل أمراض القلب والأوعية والتواصل الاجتماعي والنمط الغذائي الغني بالمغذيات. الكرياتين قد يُضاف إليها مستقبلاً، لكن العلم لم يبلغ هذه المرحلة بعد.
