علم النفس: الانشغال الدائم ليس طموحًا بل شيء آخر
تُشيرُ التحليلات النفسية المعاصرة إلى أن الأشخاص الذين يحافظون على انشغالهم الدائم والمستمر ليسوا بالضرورة مدفوعين بالشغف أو الطموح العالي، بل غالبًا ما يستخدمون هذا العبء اليومي كآلية دفاعية للهروب من مواجهة ذواتهم ومواجهة مخاوفهم الداخلية؛ فالجداول الممتلئة والمشاريع المتلاحقة قد لا تكون دليلاً على النجاح بقدر ما هي هندسة نفسية دقيقة مصممة بوعي أو دون وعي لحجب مشاعر دفينة، حيث يتحول التدفق المستمر للأعمال إلى درع عاطفي يمنع الهدوء من كشف المستور.
آليات التجنب النفسي
ووفقًا لموقع bolde، تتعددُ النسخ الإنسانية التي يحاول الفرد تجنبها عبر الإفراط في العمل، وحدد خبراء علم النفس، أبرزها في النقاط التالية:
مواجهة الأحزان المؤجلة: يختبئ ألم الفقد والصدمات خلف التزاماتنا اليومية، لنتخذ من تراكم الأعمال وسيلة دفاعية تمنعنا من التباطؤ، خشية مواجهة ألم يفوق قدرتنا الحالية على التحمل والاستيعاب.
تجاهل مشاعر الوحدة: لا تُقاس الوحدة بقلة المحيطين بنا، بل بغياب العلاقات العميقة؛ حيث تحجب الحركة الدائمة شعورنا القاسي بأننا غير مرئيين، وما إن تتوقف هذه الحركة حتى تباغتنا أصوات الفراغ الداخلي.
خوفًا من التفكير في "الحياة الخطأ": يُعد التوجس المستمر بأن مسار الحياة (سواء المهني أو العاطفي) غير مناسب، من أكثر الهواجس إزعاجًا؛ لذا نعمل على ملء جداولنا لمنع العقل من طرح سؤال مصيري.
تصريفًا للغضب الكامن والمخاوف: يتحول الغضب غير المعالج إلى طاقة توتر نوجهها نحو الإفراط في العمل؛ ورغم نجاح هذا التكتيك في المدى القصير، إلا أنه ينعكس سلبًا مع الوقت، ويبقي الخوف من عدم الكفاءة مسيطرًا.
تجاهلاً للإنهاك: يحتاج الإرهاق إلى راحة تامة، لكن نمط الحياة السريع يدفعنا للاستمرار في قبول الالتزامات رغم نفاد طاقتنا، تفاديًا للهدوء الذي يفتح الباب لمراجعة القرارات السابقة والشعور بالندم.
تزييفًا للمظهر الخارجي وإخفاءً للمعانة: يمنحنا الانشغال المستمر غطاءً يظهرنا أمام الآخرين كأشخاص ناجحين وقادرين على إدارة كل شيء بكفاءة؛ ما يمنع المحيطين بنا من التساؤل عن سلامتنا النفسية، ويحمينا من الاعتراف بالعجز أو الحاجة لطلب المساعدة.
ربطًا للقيمة الشخصية بالمنفعة والإنتاج: تتحول الإنتاجية لدى الكثيرين إلى هوية شخصية مطلقة؛ بحيث يعجز الفرد عن معرفة قيمته أو طبيعة رغباته إذا ما جُرّد من إنجازاته وعمله، ليبقى السؤال الحرج: "من أكون عندما لا أكون مفيدًا؟" مؤجلاً بانتظام، تفاديًا للوقوع في الفراغ العاطفي وضبابية الهوية.
الهروب من عشوائية المشاعر وضغوط الاختيار
يتخذُ البعض من تكديس المهام وسيلة لفرض سيطرة وهمية على حيواتهم وتجنب فوضى المشاعر؛ فحين تغيب الخطط الواضحة أو يقع المرء في حيرة أمام خيارات مصيرية، يندفع نحو إغراق نفسه بالمسؤوليات المجدولة سلفًا، هربًا من القلق المصاحب لعدم اليقين، وبحثًا عن شعور زائف بالتحكم يحميه من مواجهة تقلبات الواقع التي لا تخضع لسيطرة جداول الأعمال، متناسيًا أن النفس تحتاج أحيانًا إلى مجرد "حضور إنساني" عفوّي لا يمكن جدولته.
