مؤشر كتلة الجسم: هل كان بريئًا منذ نشأته أم أنّه يُبطِن انحيازًا عرقيًا؟
بحِسبة بسيطة تُصنِّف نفسك إمّا بوزنٍ زائد أو تعاني السمنة أو حتى وزنك أقل من الطبيعي، وهي حِسبة مؤشر كتلة الجسم (BMI) الذي هو ناتِج قِسمة الوزن بالكيلوجرامات على مُربّع الطول بالمتر، وحسب الرقم الذي تحصل عليه تجد تصنيفًا لحالتك الصحيّة.
ولكن متى بدأ كلّ ذلك تحديدًا؟ هل بدأ مؤشر كتلة الجسم في الظهور في ثلاثينيات القرن التاسع عشر بغرض آخر غير تشخيص السمنة؟ ربّما هذا ما حدث بالفعل؛ إذ كان مقياسًا لتحديد المظهر المُفترَض للرجل العادي.
ولكن كأي شيء يتغيّر عبر الزمن، وصلنا اليوم إلى الاعتماد على مؤشر كتلة الجسم في تصنيف البشر بناءً على الوزن والطول، وتحديد فرص إصابتهم بالأمراض.
فكيف كانت رحلة مؤشر كتلة الجسم طوال هذه السنوات؟ وهل كان منذ نشأته بريئًا أم يُخفِي تحيّزًا نحو عرق مُعيّن؟
مؤشر كتلة الجسم (BMI) بدأ "للرجال البيض"
لنعُد بعقارب الساعة إلى الوراء في منتصف القرن التاسع عشر، حيث عاش رجل بلجيكي يُدعَى "لامبرت أدولف جاك كويتليت"، وكان مهتمًا بدراسة السمات البشرية وعلاقتها بالجريمة والوفيات.
لم يكُن لامبرت مُختصًا في مجالٍ واحد، بل كان عالِم رياضيات ومنجّم وإحصائي، ولكنّه لم يكُن طبيبًا أو خبيرًا صحيًا من أي نوع، ومع ذلك كان شغوفًا بمعرفة المظهر الطبيعي للرجل العادي، بما يوحِي أنّ بعض الناس كانوا بطبيعتهم أقلّ من المتوسّط، ومِنْ ثمّ أقل شأنًا من الآخرين.
لذا أنشأ مؤشّر كويتليت باستخدام حساب يتضمّن نسبة الوزن إلى الطول، وشرع في تحديد النموذج المثالي لما ينبغي أن يكون عليه المظهر الطبيعي، حسب منظوره.
ولكن الإشكالية هُنا أنّه عندما بدأ يجمع بياناته، جمعها من الرجال الأوروبيين البيض، ومِنْ ثمّ فإنّ متوسط هذه البيانات قد يوضّح من هو الرجل الأوروبي الأبيض "المثالي"، ولكنّه ليس المثالي بالتأكيد لجميع الرجال.
علاوة على ذلك، لم يقصِد لامبرت استخدام المؤشّر لقياس مدى تمتّع المرء بالصحة أم لا على الإطلاق.
وتقول الدكتورة "ديانا توماس" أستاذة الرياضيات في ويست بوينت، والتي نشرت أبحاثًا بشأن التمارين الرياضية والسمنة: "استُخدِم في البداية لتصنيف الأشخاص والنظر في توزيع السُكّان"، وبالطبع لا يمكِن لمتوسطات السكان أن تحدّد صحة الفرد، ناهيك عن المظهر "المثالي" المُفترَض.
شركات التأمين الصحي أوّل من فتح الباب لمؤشر كتلة الجسم
في أواخر القرن العشرين، وبطريقة أو بأخرى، اعتمدت شركات التأمين الصحي والتأمين على الحياة مؤشّر كويتليت ليحلّ بديلًا لجداول الطول والوزن الخاصّة بها (التي كانت تستنِد بالفعل إلى إحصائيات مستمدة غالبًا من الرجال البيض وبعض النساء البيض).
وكما توثّق المؤلفة "سابرينا سترينجز"، الحاصلة على درجة الدكتوراه، والأستاذة المساعدة في عِلم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا في إيرفين، في كتابها "الخوف من الجسد الأسود: الأصول العنصرية لرهاب الدهون"، فإنّ شركات التأمين الصحي في أوائل القرن العشرين ربطت بين الدهون المفرطة في الجسم وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب (ولا تزال تفعل ذلك، رغم أنّ العِلم الحالي يقول إنّ الأمور ليست بتلك السطحية).
وهذا الأمر كان مهمًا خصوصًا لشركات التأمين، لتحديد ما إذا كانت قادرة على تأمين الفرد أم لا؛ إذ يمكِنها أن ترفض تأمين من يعانون زيادة الوزن.
من 1972 حتى الآن.. الانطلاقة الرسمية لمؤشر كتلة الجسم
في عام 1972، ادّعى الباحِث في مجال السمنة "أنسيل كيز"، وهو عالِم فيزيولوجي، درس النظام الغذائي، أنّ لديه أداة أدقّ من جداول الوزن والطول، وقد أجرى "كيز" وزملاؤه دراسة كبيرة بشأن السمنة؛ إذ نظروا إلى الرجال الأوروبيين والأمريكيين ذوي الأغلبية البيضاء، وخلصوا إلى أنّ مؤشر كويتليت، أو "مؤشر كتلة الجسم" كما أطلقوا عليه، كان متفوقًا على جداول الطول والوزن السابقة في قياس الدهون في جسم الفرد.
وهكذا أُعِيدت تسمية مؤشر كويتليت إلى مؤشر كتلة الجسم الذي نعرفه اليوم.
المآخذ على مؤشر كتلة الجسم
حاليًا يُعدّ الشخص الذي يمتلك مؤشر كتلة جسم يراوح بين 18.5 إلى 24.9 هو الطبيعي، ومن هو أقل من ذلك فهو ناقِص الوزن، أمّا الأعلى من ذلك، فهو إمّا يعاني زيادة الوزن أو السمنة، وكما أكّد الأطباء فائدة هذا المؤشّر، فإنّ هناك بعض المآخذ التي ينبغي الالتفات إليها أولًا:
1. التحيّز للعرق القوقازي "المثالي" المُتخيّل
يعتمد مؤشر كتلة الجسم الذي نعرفه اليوم على القوقازي "المثالي"، وليس هناك اعتبار لجنس الشخص أو عرقه إذا كان مختلفًا عن الصورة المثالية المتوقّعة.
ولم يقتصر تطبيق مؤشر كتلة الجسم في أمريكا فحسب، بل هو مُطبّق عالميًا بالفعل، حتى في البلدان التي يكون فيها البيض أقلية، مثل وسط إفريقيا.
ومع ذلك، عدّلت بعض الدول حدودها القصوى في مؤشّر كتلة الجسم، فمثلًا عرّفت الصين واليابان زيادة الوزن، بأنّه مؤشر كتلة الجسم الذي يزيد على 24 (أقل بمقدار 0.9 من الحد الأقصى للولايات المتحدة الأمريكية).
2. الأرقام ليست مقياسًا صارمًا
لا يعني مؤشر كتلة الجسم المرتفع أو المنخفض أنّ الشخص في خطرٍ مُحقّق بنسبة 100%، فقد أظهرت دراسة كبيرة عام 2003 في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية "JAMA" أنّ مؤشّرات كتلة الجسم الأعلى تميل إلى أن تكون مثالية بالنسبة للسُود، وأنّ النساء السُود لا يُظهِرن بالضرورة ارتفاعًا كبيرًا في خطر الوفاة حتى يصل مؤشر كتلة الجسم إلى 37.
كذلك أشارت دراسة أخرى عام 2020 في المجلة الطبية النيوزيلندية "The New Zealand Medical Journal" إلى أنّه رغم أنّ ارتفاع مؤشر كتلة الجسم يرتبط بالدهون الضارة المحيطة بالقلب لدى النيوزلنديين البيض، فإنّ الأمر ذاته لا ينطبق على المنحدرين من أصل الماوري.
وترى الدكتورة "توماس"، التي ينحدر والداها من أصول هندية، كيف أنّ الحدود القياسية لا تتناسب مع عائلتها، فتقول: "عندما تذهب إلى منزلي، هناك دائمًا شخص مُصاب بالسكري، وهناك دائمًا من يعاني ارتفاع ضغط الدم، ولا يبدو مماثلًا لمن يعدّه الأمريكيون بدينًا".
وأضافت: "لقد وُثِّقت حالات أعلى لجميع الاضطرابات الأيضية عند مؤشر كتلة الجسم المنخفض لدى سُكّان جنوب آسيا".
3. الوزن لا يعطِي الصورة الكاملة
الحقيقة أنّ افتراض أنّ السمنة سيئة دون وضع العوامل الأخرى في الحُسبان، مثل العوامل الوراثية والاجتماعية والبيئية الأخرى، قد يضرّ أكثر مما ينفع.
فقد اكتشفت طبيبة اضطرابات الأكل الدكتورة "ماريا مونج"، مديرة طب المراهقين في مركز ديل الطبي للأطفال، أنّه عندما يركّز الأطباء بكثافة على التخلص من الدهون، فإنّهم غالبًا ما يفترضون أنّ المرضى كُلّما زادت أحجام أجسامهم، كانوا هم الأكثر مرضًا.
في حين تقول الدكتورة "مونج": "لقد قِيل لعديد من مرضاي (ذوي الأجسام الأكبر حجمًا) أنّهم ليسوا بصحة جيدة، ولكن عندما فحصت تحليلاتهم وعلاماتهم الحيوية، كان كل شيء سليمًا".
وتضيف: "الشيء الوحيد الذي كان خارج النطاق الذي يُعدّ طبيعيًا، هو مؤشر كتلة الجسم لديهم".
4. الخجل من مؤشر كتلة الجسم المرتفع
أيضًا يمكِن أن يكون مؤشر كتلة الجسم المرتفع عقبة أمام الأشخاص الأكبر حجمًا عن طلب الرعاية، ما قد يؤدي إلى تدهور صحتهم.
ففي كثيرٍ من الأحيان، يكون المرضى الأكبر حجمًا في وضع مُحرِج إزاء إطلاق الأحكام عليهم من قِبل الآخرين أو عدم الإحساس بهم أو تفهّم ما يمرّون به، وبالأحرى عدم أخذ معاناتهم على محمل الجد، ما يُثنِي كثير منهم عن رؤية الطبيب في المقام الأول، وربّما يكون ذلك سببًا خفيًا وراء ارتباط ارتفاع مؤشر كتلة الجسم بالإصابة بالأمراض.
لماذا يُعدّ مؤشر كتلة الجسم تمييزيًا خصوصًا أمام النساء السُود؟
يرى خبراء من مكتب صحة الأقليات التابع لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية أنّ النساء السُود من أكثر المُعرّضات لخطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بالسمنة، مثل مرض السكري وارتفاع نسبة الكوليسترول، لأنّ مؤشرات كُتل أجسامهنّ أكثر ميلًا إلى الارتفاع.
ولكن هذه التقييمات الصحية غالبًا ما تغضّ الطرف عن كيفية تأثير الضغوط المزمنة وعدم المساواة الاقتصادية والعُنصرية المؤسسية على النساء السُود في أمريكا.
وهذا النوع من التفكير يحجب القضايا النظامية التي تؤثّر في صحة النساء السود، مثل عيشهن بمناطق ذات أنظمة هواء ومياه ملوثة، وكلّ ذلك يُسهِم في تطور الأمراض المزمنة.
في حين أنّ معظم الدراسات تشِير إلى ارتباط ارتفاع مؤشر كتلة الجسم بزيادة خطر الإصابة بالأمراض دون النظر إلى مثل هذه العوامل المُحِيطة، ولكن النساء السُود كُنّ هنّ الضحية الأبرز للمعايير الصارمة لمؤشر كتلة الجسم.
لماذا لا يمكن الاستغناء عن مؤشر كتلة الجسم وما بدائله العملية؟
رغم كلّ ما سبق، فإنّ ما يجعل مؤشر كتلة الجسم غير قابل للاستغناء عنه على الأقل على المدى المنظور، أنّه جزء من الممارسة الطبية اليومية، كما يصِفه مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها "CDC" بأنّه أداة سهلة وغير مُكلّفة لفحص الأخطار الصحية، رغم أنّه ينصّ بوضوح أيضًا على أنّه لا يُشخّص حالة الدهون أو صحة الفرد.
ومع ذلك فهناك بدائل قد توفّر صورة أدقّ بشأن حالة الجسم ونسبة الدهون فيه، مثل:
1. مؤشّر استدارة الجسم (BRI)
يقيّم هذا المؤشر مدى دائرية جسم الفرد عن طريق قياس محيط الخصر بالنسبة للطول، ويُعدّ هذا المؤشّر ترقية لمؤشر كتلة الجسم؛ إذ إنّ مؤشر استدارة الجسم يُمكِن أن يساعد على التنبؤ بالوفيات.
فقد أظهرت دراسة عام 2024 في مجلة "JAMA Network Open" أنّ الأشخاص ذوي مؤشر استدارة الجسم 6.9 أو أعلى (بالنسبة لمقياس يراوح بين 1 إلى 15)، كان خطر وفاتهم أعلى بنسبة 50%، مقارنةً بمن كانت درجاتهم تراوح بين 4.5 إلى 5.5.
ومع ذلك، فإنّ مؤشر استدارة الجسم يغض الطرف أيضًا عن عوامل أخرى، مثل كتلة العضلات أو كثافة العظام أو مستويات اللياقة البدنية، والتي يمكِن أن توفّر صورة أشمل لصحة الفرد.
2. نسبة الخصر إلى الورك (Waist-to-Hip Ratio)
يعالِج هذا المقياس أحد أوجه القصور الرئيسة في مؤشر كتلة الجسم من خلال مراعاة توزيع الدهون؛ إذ يُراعِي القياس النسبة بين محيط الخصر والوركين، ما يوضّح ما إذا كانت الدهون تُخزّن حول البطن (ما يدل على ارتفاع الأخطار الصحية) أو حول الوركين والفخذين.
وحسب منظمة الصحة العالمية، فإنّ ارتفاع نسبة الخصر إلى الورك يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم والاضطرابات الأيضية.
وتحديدًا إذا زاد على 0.9 للرجال، و0.85 للنساء، فقد يرتفع معه خطر الإصابة بمشكلات صحية.
ولكن ما يعيبه أيضًا أنّ احتمالية الخطأ في القياس واردة، كما أنّه لا يلقِي بالًا لكتلة العضلات حول الوركين، ما قد يجعل النتائج غير دقيقة في بعض الحالات، خصوصًا لمن يتمتّعون بكُتلة عضلية أكبر.
3. محيط الخصر
أيضًا يساعد قِياس محيط الخصر على تحديد كمية الدهون في البطن، وذلك من خلال قياس أضيق جُزء من الخصر (فوق السُّرة مباشرة)، فإذا كان محيط الخصر أكثر من 102 سم عند الرجال، و88 سم عند النساء، فقد يزداد خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بالسمنة.
ورغم أنّه قِياس سريع وغير مكلّف، فإنّه أيضًا لا يراعِي الاختلافات في أنواع الجسم وبِنيته مثل المؤشرات الأخرى.
4. فرجار ثنيات الجلد
يتضمّن استخدام الفرجار الضغط وقِياس سُمك ثنيات الجلد في نقاط مُحدّدة من الجسم، مثل البطن والعضلة ثلاثية الرؤوس والفخذين، ثُمّ تُستخدَم هذه القياسات بعد ذلك لتقدير نسبة الدهون الإجمالية في الجسم.
ولكن تعتمد دقّة قياسات ثنيات الجلد بدرجة كبيرة على مهارة الشخص الذي يقيس، ما قد يؤثّر في النتائج، ولكن إن قِيس سُمك ثنيات الجلد بطريقة صحيحة، فقد يكون الفرجار وسيلة مناسبة لمراقبة تغيّرات الجسم بمرور الوقت.
ختامًا لا يمكِن الاستغناء حتى اللحظة عن مؤشر كتلة الجسم، وما يوفّره من نتائج تُستخدَم كل يوم في التقييم الطبي للناس، رغم المآخذ على ذلك المؤشر، وأنّه في نشأته اعتمد على نموذج مثالي مُتوهّم للبيض دون اعتبار باقي العرقيات الأُخرى، والتي تختلف أطوالها وأوزانها الطبيعية عن الرجل الأبيض دون شك، وما يستلزم ذلك من زيادة أو انخفاض خطر الإصابة بالأمراض، ومع ذلك فهُناك بدائل أخرى قد توفّر صورة أدقّ لدهون الجسم، مثل مؤشر استدارة الجسم أو ما على شاكلته.
