"لقد أخبرتك!".. لماذا لا نتمالك أنفسنا عن قول تلك الكلمة؟
عندما يقع صديقك في مشكلة، وكنت قد حذرته مسبقًا من تبعات ما يفعله وأنه قد يصل إلى هذه النتيجة .. كيف تكون ردة فعلك؟ هل تسارع إلى مدّ يد العون له، أم تبدأ أولاً بتذكيره بتحذيرك السابق بعبارة: "لقد أخبرتك!"؟
ربّما يكون المرء حريصًا على أصدقائه حقًا، ولكن أحيانًا تخرج تلك الكلمة في سياق التعبير عن الأنا أو عن شعور داخلي بالتفوق والرضا عن إثبات صحة الرأي بعد تجاهله، وكأن الآخرين باتوا يحصدون نتيجة عدم الإصغاء إلى التحذير.
وعلى الجانب المقابِل، إنّ وقْع تلك الكلمة ليس بسيطًا على آذان من يستقبلها، بل قد توصِل إليه رسائل سلبية عديدة، فما الذي يدفعنا إلى التسرّع وقول تلك الكلمة؟ وما البدائل الأكثر فاعلية للتواصل عندما يقع الخطأ بالفعل؟
ما الذي يدفع المرء إلى قول "لقد أخبرتك"؟
قد يندفع المرء تلقائيًا إلى قول تلك الكلمة عندما يتم تجاهُل رأيه، ثُمّ تُثبِت الظروف والأحداث أنّ رأيه كان هو الصواب، ربّما للأسباب الآتية:
1. "الأنا" تُعبّر عن نفسها
غالبًا ما تأتي عبارة "لقد أخبرتك" من الغرور الذاتي، فكلّ إنسان يملك "الأنا" الخاصّة به، التي تُدِير هُويته واحترامه لذاته والحدود الفاصِلة بين ذاته والآخرين.
والأنا تطلُب أن تكون على حقّ دائمًا، لأنّ ذلك يمنحها إحساسًا بالأمان والتفوّق على غيرها. وعندما يتم تجاهُل التحذير الذي أطلقه المرء في البداية، ربّما تتعرض ذاته لجرح نفسي؛ وقد يشعر بالرفض أو التقليل من قيمة رأيه، ولكن بعد أن يثبت الواقِع صحة كلامه، فإنّ الأنا تُداوِي جراحها بعبارة: "لقد أخبرتك؟!".
-هل تلك الكلمة نوع من التشفّي، أم سعي إلى الحل؟
غالبًا، لا يسعى الفرد بتلك الكلمة إلى حلّ المشكلة، وإنّما يحاوِل استعادة كيانه الذاتي وإمداده بسُلطة الرأي التي يستحقّها، حتى وإن كانت لحظة قصيرة نعم، لكنها توفّر دفعة من إحساس السلطة، وعادةً ما يكون ذلك على حساب التواصل والثقة مع الآخرين.
2. جرح نفسي قديم لم يلتئم
صحيح أنّ الأنا هي المُحرّك الرئيسي لتلك الكلمة، ولكن ثمّة آليات أخرى أعمق قد تغذّيها أيضًا، مثل استجابات الصدمة. فعند الكثير من الناس، ترتبط الحاجة إلى الاعتراف ببصيرتهم بالتجارب التي مرّوا بها سابقًا والتي لم يشعروا فيها بالأمان.
وفي البيئات الفوضوية أو المُسِيئة -التي سبّبت الصدمة- تُعدّ القدرة على توقّع الخطر مهارة أساسية للنجاة، فإذا نشأ المرء في صغره وهو مُضطّر إلى توقّع تقلّبات مزاج أحد الوالدَين أو في وضع مالي فوضويّ، فإنّ كونه على حقّ بشأن توقّعه لا يعني الذكاء بالضرورة، فقد تكون مجرد مهارة اكتسبها للنجاة وسط تلك البيئة المتقلبة.
وبعد البلوغ، عندما يرى الشخص أن صديقه وقع بالفعل في المشكلة التي سبق أن حذره منها، قد تدفعه تلك الآلية النفسية القديمة إلى التعامل مع تجاهل التحذير بوصفه تهديدًا لشعوره بالأمان، لا مجرد اختلاف في وجهات النظر.
ففي بعض الأحيان، لا يكون التحذير نابعًا من الحب والحرص فقط، بل أيضًا من حاجة عميقة إلى الشعور بالسيطرة على ما يحدث في المحيط وتجنب الفوضى أو المفاجآت المؤلمة التي اعتادها الشخص في تجارب سابقة من حياته.
لذلك، عندما يتجاهل الصديق التحذير ثم تتحقق النتيجة السيئة، قد يشعر الشخص بحاجة ملحة إلى تأكيد أنه كان على حق، ليس بدافع التشفي بالضرورة، وإنما لاستعادة ذلك الشعور بالأمان والسيطرة الذي ارتبط لديه منذ وقت طويل بالقدرة على توقع الأخطار قبل وقوعها.
تبعات التشفّي في العلاقة بتلك الكلمة
ربّما ينبغي أن يُمسِك المرء لسانه قبل أن ينطق بتلك الكلمة "لقد أخبرتك!"، لأنّ تبعاتها على العلاقة سواء كانت علاقة بين أفراد العائلة أو الأصدقاء أو غير ذلك ليست جيّدة؛ إذ أن أضرارها وفقًا لمنصّة "Psychology today":
- توصل رسالة عن الفرد بأنّه يفتقر إلى التعاطُف، كما أنّ محيطه ينزعج بلا شك من تلك الكلمة.
- رسالة أخرى تصل عن ذلك الشخص مفادها أنّه قد يكون مُستحقًا للنتيجة التي وقع فيها بسبب خطئه.
- قد يفهم الشخص أنّ قائل تلك الكلمة لا يشعر بأي مسؤولية تجاه مساعدته.
- إثارة الشعور بالخجل لدى مُتلقِّي الكلمة، وربّما يتجنّب التفاعل مع قائل الكلمة لاحقًا.
مُراقَبة الذات مفتاح ضبط النفس قبل نُطق تلك الكلمة
تخيّل أنّ عقلك مسرح مزدحِم؛ هناك الأنا واستجاباتك للصدمة وغضبك، كُلّهم يؤدّون مشهدًا دراميًا على المسرح، وذاتُك تتخذ مقعد المراقبة، وهي الجمهور في هذا المسرح، والوعي هُناك في رُكن مظلِم من المسرح يُشاهِد المسرحيّة دون أن ينضمّ إليها.
وعندما تحين الفرصة لأن تخرج كلمة "لقد أخبرتك!"، فإنّ الذات المراقِبة التي ينبغي أن يتحلّى بها المرء لا تقمع التبرير، بل تلاحظ الرغبة القويّة في تبرير موقِف النفس، وتلاحظ أنّ الغرور بدأ يسحب النفس كي تشعر بالتفوق، وعند هذه النقطة يجب التوقّف.
فهُنا يتحوّل المرء من الاندفاع وراء الأنا أو مشاعره إلى ملاحظة المسرح بأسْره، ما يخلق مرونة عقلية ويفتح مساحة ذهنية بين الكلمة والفعل، ما يمنحك وقتًا كافيًا لاتخاذ قرارٍ صحيح يتماشَى مع قِيمك الراسخة بدلًا من احتياجات الأنا قصيرة الأمد، ومِنْ ثمّ فإنّ مراقَبة الذات بتلك الطريقة ربّما في فترة تستغرق ثوانٍ فقط هي خطوة البداية نحو إبداء ردود فعلٍ أكثر إيجابية.
بدائل تواصل أكثر فاعلية بعد وقوع الخطأ
إذًا بعد أن تمكّنت من السيطرة على نفسك وتحجيم الأنا وإعادة استجابات الصدمات إلى موضعها، ما الاستجابة المُفترَض أن تصدر منك بدلًا من كلمة "لقد أخبرتك"؟
ثمّة خيارات متنوّعة يمكنك الانتقاء من بينها:
- عبِّر عن تعاطُفك بأن تقول مثلًا "أنا آسف جدًا لما حدث لك".
- تخفيف عبء العار واللوم عن صديقك الذي وقع في ورطة أو تعرّض للاحتيال.
- اقضِ بعض الوقت في الاستماع إلى شكوى صديقك دون إصدار أحكام، بما يتضمّنه ذلك من الانتباه التامّ إليه، والتواصل البصري ولغة الجسد الموحية بالتفاعل معه، وطرح الأسئلة ذات الصلة، دون التطرّق إلى تعليقات سلبية أو أسئلة انتقادية.
- أعِد إلى رفيقك ثقته بنفسه في المواقف الصعبة بأن تسأله مثلًا "ماذا يمكنك أن تفعل لتحسين الأمر؟"، ولا تتولّ الأمر نيابةً عنه بشكلٍ كامل، وبدلًا من أن تقول "لقد أخبرتك"، يسعك أن تقول "أراهن على أنّك لن تقع في هذا الفخّ مرة أخرى".
- ضع الخطأ في حجمه الحقيقي، فهل سيكون ذا أهمية خلال أسبوع أو شهر أو سنة أو سنوات؟ هل هناك ضرر لا يمكِن إصلاحه أم هناك حل لم يتضح لك بعد؟
- اعرض أن تكون جزءًا من الحل إن أمكنك ذلك، سواء بطرق مادية أو بوقتك أو بأي شيء من مواردك.
ختامًا من السهل أن ننتقد الآخرين ونلقِي اللوم عليهم، ليس نصيحةً لهم ولا معاونة ولكن بسبب الأنا التي تحاوِل استعادة مكانتها أو ربّما بسبب صدمات قديمة تركت أثرها فينا، وثمّة ردود مختلفة وتعبير عن التعاطُف ومدّ ليد العون؛ كُلّها تُغنِي عن كلمة قد تُنهِي العلاقات على غرار "لقد أخبرتك!".
