ماذا لو كانت أكبر خسائرك بسبب الخوف من الخسارة؟
إذا كُنت على وشك إتمام صفقة ستنقل حياتك إلى مستوى مختلِف تمامًا عمّا أنت عليه اليوم، ولكن في المقابل ستفقد بعض الامتيازات والأمور المألوفة التي اعتدتها طوال عُمرك، أيّهما تختار؟ هل إتمام الصفقة وتحمّل الخسائر؟ أم التراجُع والحفاظ على ما أنت عليه فهو ما تعرفه بدلًا من المجهول القادِم الذي لا تدري تبعاته؟
لعلّ المثال يزيل اللبس عن مفهوم "النفور من الخسارة"؛ إذ إنّ إحساسنا بمرارة الخسارة يفوق فرحتنا بالمكاسب المقابِلة، وربّما يكون هذا مُحرّكنا الخفيّ في علاقاتنا ووظائفنا المهنية، بل القرارات المالية التي نتخذها، فهل تترك هذا النفور يتحكّم بك أم تحاوِل إمساك العصا من المنتصف والنظر إلى الأمور بموضوعية أكبر؟
مفهوم النفور من الخسارة (Loss aversion)
النفور من الخسارة هو نوع من التحيّز المعرفي؛ إذ يكون إحساسنا بـ الأثر العاطفي للخسارة أشدّ من فرحة ما كسبناه في المقابل، فليس هناك مكسب في الحياة بلا خسارة، ولكن تأثير الخسارة يكون أعمق في وجداننا من المكسب.
وقد صاغ هذا المفهوم "دانييل كانيمان" و"عاموس تفيرسكي" في نظرية التوقعات، وهو مفهوم مرتبِط بمجالات مختلفة، بما في ذلك علم النفس المعرفي، ونظرية القرار، والاقتصاد السلوكي.
مثال على النفور من الخسارة
تخيّل أنّك وجدت 10 ريالات في الشارع، بالتأكيد سيُسعِدك ذلك، فتضعها في جيبك وتمضي قدمًا، ولكن ماذا لو أسقطت أنت 10 ريالات خطأً في مكان ما؟
إذا كُنت مثل معظم الناس، فإنّ خيبة الأمل الناجمة عن تلك الخسارة ستطغى عليك، وربّما تكون أكبر بكثيرٍ من الفرحة التي شعرت بها بعد استلام نفس الورقة النقدية بقِيمة 10 ريالات.
ورد الفعل غير المتناسب هذا هو النفور من الخسارة؛ إذ يفوق الألم الذي نشعر به من الخسارة الفوائد المتصوّرة، وهذا المفهوم لا يقتصر على المال، بل يمتد أيضًا إلى مجموعة واسعة من أمور معاشنا، مثل فقدان الوقت أو المكانة الاجتماعية أو الممتلكات العاطفية أو حتى الفُرص.
ما هو حجم الخسارة في نفوسنا مقابل المكسب؟
حسب البحث الأصلي الذي أجراه "دانييل كانيمان" و"عاموس تفيرسكي"؛ رُوّاد هذا المصطلح، فإنّ عذاب الخسارة قد يكون أقوى نفسيًا بمرتين من المكسب المقابِل.
ولكن المشكلة أنّ هذا التناقُض قد يقود قراراتنا وخياراتنا التي نتخذها، ما قد يقودنا إلى التشبّث بما لدينا بالفعل بدلًا من محاولة اكتساب أشياء أو فرص جديدة.
باختصار قد يبدو من الأفضل تجنّب خسارة 10 ريالات بدلًا من محاولة العثور على 10 ريالات جديدة.
لماذا تُفضّل أدمغتنا التقوقع خوفًا من الخسارة؟
في المواقف التي تُثِير الخوف من الخسارة في نفسك، تنشط ثلاث مناطق مُحدّدة من الدماغ:
اللوزة الدماغية
تعالِج اللوزة الدماغية (Amygdala) الخوف في المقام الأول، ومِنْ ثمّ فإنّ هناك شعورًا آليًا بالقلق يسري في نفسك عندما تواجِه شيئًا يخِيفك، كما أنّها تنشط في حالة الخوف من الخسارة.
ولذا فإنّ رد فعلنا تجاه الخطر، مثل أن تبصِر عنكبوتًا أمامك أو ثعبانًا، يتشابه مع رد فعلنا تجاه الخسارة، مثل خسارة المال أو الممتلكات.
فالدماغ واحد، وآلية عمله واحدة في كلتا الحالتين؛ وهي إفراز هرمونات، كالأدرينالين والكورتيزول، تمنحنا الطاقة لحماية أنفسنا من الأذى، وهذا قد يفسّر جزئيًا لماذا يصعب مقاومة النفور من الخسارة؛ إذ إنّ الدماغ مُبرمَج على رد الفعل التلقائي هذا لحمايتك من الخسارة.
الجسم المخطّط
أمّا الجسم المخطّط (Striatum)، فهو المنطقة الثانية المتأثّرة من أدمغتنا، وهو المسؤول عن حساب أخطاء التنبؤ وتوقّع الأحداث.
ورغم أنّ هذا الجسم يتزايد نشاطه عندما نواجِه الخسائر والمكاسِب المكافئة لها، فإنّه ينشط بصفةٍ أكبر عند الخسائر، ما يعني أنّه يحاول مساعدتنا على تجنّب الخسائر بدلًا من تحفيزنا على البحث عن المكاسب.
القشرة الجزيرية
القشرة الجزيرية (Insula) هي التي تجعلنا نشمئز في مواقف مُعيّنة، وتتآزر مع اللوزة الدماغية في منعنا من أنواع مُعيّنة من السلوك.
وقد لاحظ علماء الأعصاب أنّ تلك المنطقة تضيء أيضًا عند الاستجابة للخسارة؛ إذ كُلّما زاد احتمال الخسارة، أصبحت القشرة الجزيرية أنشط، مقارنةً بالمكسب المكافئ، ما يوضّح سرًا من أسرار نفورنا الشديد من الخسارة، حسب ما ذكرته دراسة عام 2023 في مجلة علم الأعصاب "Journal of Neuroscience".
هل للخوف من الخسارة علاقة بالحالة الاجتماعية والاقتصادية للمرء؟
بالتأكيد للعوامل الاجتماعية والاقتصادية للمرء دور في التحيّز إلى النفور من الخسارة، فقد وجدت "إينا إينيسي" الأستاذة المساعدة في السلوك التنظيمي في كلية لندن للاقتصاد، أنّ الأشخاص الأقوياء أقل نفورًا من الخسارة، لأنّ وضعهم وشبكة علاقاتهم تجعلهم في مكانة متميزة للتعامل مع الخسارة إن وقعت.
ونتيجة لذلك، فإنّ أمثال هؤلاء لا يتعاملون مع الخسارة كالأشخاص العاديين، كما أنّهم يقدّرون المكاسب أكثر من غيرهم، وهو ما قد يفسّر سرّ سعيهم إلى النجاح بدلًا من محاولة الحماية من الخسارة فقط.
الثروة.. الحِصن الذي يحميك من الخسارة
أظهرت إحدى الدراسات في فيتنام -المنشورة عام 2010 في دورية "Organizational Behavior and Human Decision Processes"- أنّ أكثر القرى ثراءً كانت عمومًا أقل نفورًا من الخسارة، مقارنةً بالقرى الفقيرة، كما كان أصحاب متوسط الدخل الأعلى الذين يعيشون في المناطق الغنية أكثر استعدادًا للمخاطرة على وجه الخصوص.
رغم ذلك، فالأثرياء الذين عاشوا في بيئات فقيرة، كانوا أكثر عرضة للخسارة من الفقراء الذين يعيشون في بيئات غنيّة.
ويدلّ كلّ ذلك على أنّ درجة نفورنا من الخسارة قد تتحدّد أيضًا من خلال الرفاهية المالية للمحيطين بنا تمامًا مثل رفاهيتنا.
الخوف من الخسارة.. هل يتخذ القرارات المالية نيابةً عنك؟
للنفور من الخسارة أثره في طريقة تعامُلنا مع المال، فإذا أخفقنا في اتّخاذ قرار سليم ومدروس بسبب هذا النفور، فما نختاره قد يضرّنا بينما نظنّ أنّه ينفعنا.
مثلًا قد تكون أقل ميلًا لشراء الأسهم إذا كان هناك خطر خسارة المال، رغم أنّ الأرباح قد تكون مرتفعة، وهُنا يجدر أن نذكر أنّ تحيّز النفور من الخسارة يقوى مع ارتفاع مخاطر الاختيار.
وقد يدفع هذا المرء إلى الاحتفاظ بالاستثمارات الفاشلة لفترة طويلة أو تجنّب الفرص المربِحة المحتملة بسبب الخوف من الفشل، كما قد يدفع الخوف ذاته الناس إلى إعطاء الأولوية للإحساس بالأمان قصير الأمد بدلًا من النمو المالي على الأمد الطويل، وهو ما قد يأتي بما لا تُحمَد عُقباه.
انحياز الخسارة في العلاقات الشخصية
أيضًا قد يؤثّر النفور من الخسارة في تفاعلاتنا مع الآخرين، فربّما نهتم جيدًا بالحفاظ على العلاقات القديمة، حتى لو لم يعُد هؤلاء الأفراد يُدخِلون الفرحة إلى قلوبنا كما عهدناهم سابقًا، ومع ذلك تظلّ فكرة قطع العلاقات مرعبة للغاية، حتى أنّنا لا نفكّر فيها ولو للحظة، بينما في الوقت ذاته، قد نُعطِي قيمة أقل لتكوين علاقات جديدة، قد تُسعِدنا على الأمد الطويل، ولكنه الإحجام خشية الخسارة.
كيف يجعلنا هذا التحيّز غنيمة للشركات؟
هل جذبك الخَصم الأخير على المنتَج الذي وضعته في سلة مشترياتك؟ هذه إحدى طرق استغلال المسوّقين لنفورنا من الخسارة، سواء من خلال تقديم خصومات أو عروض أو حتى فترات تجريبية، وكلّها لفترة محدودة، ما يجعل الخسارة في نظرنا كبيرة.
وبمُجرّد أن تعتاد المنتَج خلال فترة التجربة، فإنّك على الأرجح ستحاول شراءه بلا تردّد، حتى لو كانت تكلفته أعلى من الفوائد التي تجنيها، لأنّ فكرة خسارته بعد تجربته تشكّل تحديًا عاطفيًا بالنسبة لك.
أيضًا تستغل برامج الولاء والمكافآت هذا التحيّز بشكلٍ أكبر، فمع قِيامنا بتجميع النقاط، فإنّ الخوف من فقدان هذه المكافآت يدفعنا تلقائيًا إلى الاستمرار في الإنفاق، بما يعزّز الولاء للعلامة التجارية وبالطبع استنزاف أموالنا.
وأوضح صورة يتجلّى فيها مفهوم الخوف من الخسارة هو عبارات على غرار "عرض لفترة محدودة" أو "لم يتبق سوى عدد قليل"، لتعميق إحساسك بالخسارة المحتملة، فتتخذ قرار الشراء بسُرعة؛ خوفًا من الخسارة!
كيف تتخذ قرارات أكثر عقلانية بشجاعة؟
ينبغي أن تعلم أنّ النفور من الخسارة هو طبيعة بشرية تمنعنا من تكبّد خسائر قد لا نطيقها، ولكن الهدف هو منع تأثير النفور من الخسارة في قراراتنا، خصوصًا إذا كانت هناك مكاسب يمكِن أن نجنيها بالفعل، ولكنّنا لا نفعل بسبب خوف الخسارة، وهذه الاستراتيجيات قد تساعدك على وضع الأمور في ميزانها الصحيح:
1. أعِد تعريفك للمكسب والخسارة
إذا كُنت تصيغ أمرًا ما أنت مقبِل عليه أنّه خسارة، فهذا بالضرورة قد يزيد نفورك من الخسارة، في حين أنّك لو صغته على أنّه مكسب، فقد يقلّل ذلك من نفورك من الخسارة، ما يجعلك تفكّر بتوازنٍ أكبر، لذا بدلًا من أن تركّز على الخسائر -التي هي واردة الحدوث طبعًا- سلّط بعض الضوء أيضًا على الفوائد في المقابِل.
2. ضع الخسارة في حجمها الحقيقي
طريقة بسيطة تعالِج مسألة النفور من الخسارة، وهي أن تسأل نفسك ما أسوأ نتيجة يمكِن أن تقع؟ غالبًا ما تساعدك إجابة السؤال على وضع الخسارة والمشاعر العارمة المرتبطة بها في حجمها الحقيقي، وهذا يساعدك على اتخاذ قرارٍ أوضح بشأن المسألة العالقة بين يديك.
3. استخدِم الذكاء الاصطناعي
نعم، يمكِن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا على تجنّب النفور من الخسارة في اتخاذ القرارات، فعندما تمرّ بمُعضِلة ما، فإنّك تقيّم خياراتك، مع الميل إلى المبالَغة في تقدير الخسائر، والتقليل من تقدي المكاسب.
ولكن أساليب التعلّم الآلي -الذكاء الاصطناعي نموذجًا- تتعامل مع المعضلات عبر تنبؤات مبنية على إحصاءات دقيقة، ما يجعلك أمام موازنة واضحة بين المكاسب والخسائر.
في النهاية النفور من الخسارة أمر مرهون بالطبيعة البشرية، لا يمكِن فصله عنها، بل هو حماية لها من خسائر حقيقية، ولكن ينبغي فقط أن ننظر إلى الخسارة بحجمها الحقيقي في مقابِل المكاسب بحجمها المنطقي أيضًا، وألّا يكون الخوف عقبة أمام فُرص قد لا تأتي مرة أخرى.
