رهاب السمنة.. هل صِرنا أسرى لنظرة الآخرين إلينا؟
ثمّة انحياز فكري لدى كثير من الناس، فهم لا ينظرون إلى البدين كما ينظرون إلى النحيف، بل إنّ الأخير غالبًا ما يُقدَّم بوصفه الصورة المثالية للجسد في مخيّلة المجتمع، ولكن هذا الانحياز له مُسمّى وهو "رهاب السمنة"، وله آثار نفسية على المُصاب بالسمنة أيضًا.
فكيف يؤثّر رهاب السمنة في علاقاتنا الشخصية وفرصنا الوظيفية؟ وكيف يمكِن تخفيف وطأة رهاب السمنة على النفس؟
ما المقصود برهاب السمنة وهل هو شائع بيننا؟
لنُفكّك معًا مفهوم رهاب السمنة (Fatphobia)، فالرهاب هو الخوف المرَضيّ، ولكنّه قد يعني أيضًا على نطاقٍ أوسع النفور الشديد من شيء ما.
والمقصود برهاب السمنة هُنا هو هذا النفور الشديد وليس الخوف المرضيّ، وبالأحرى هو تحيّز ضمني تجاه المصابين بزيادة الوزن، بمعنى أنّ ظهورهم بهذا المظهر ذي الوزن الزائد دلالة على فشل أخلاقي بالنسبة للآخرين، لأنّ البقاء نحيفًا هو غاية حياتيّة بالنسبة لمعظم الناس.
وهذا الرهاب تزايد انتشاره في السنوات الأخيرة؛ إذ توصّلت دراسة عام 2023 أجرتها جامعة إلينوي في شيكاغو إلى أنّ التمييز على أساس الوزن ارتفع بنسبة 66% على مدار عِقد من الزمن، ووصفته بأنّه أحد أنواع التمييز القليلة التي يتغاضى عنها المجتمع.
وأشارت دراسات أخرى أُجريت في أوروبا أنّ 18.7% إلى 38% من الأشخاص الذين يُعدّون بدينين تعرّضوا لوصمة الوزن أو التشهير بالسمنة، بينما كان الأطفال في سن المدرسة الذين يُعدّون بدينين أيضًا أكثر عرضةً للتنمّر بنسبة تصل إلى 63%.
تجلّيات رهاب السمنة في واقعنا اليومي
يظهر الرهاب من الأشخاص البدينين في كلّ أنشطة الحياة اليومية تقريبًا، بما في ذلك:
1. الحياة الشخصية
قد يؤثّر رهاب السمنة في تفاعلاتنا الشخصية، بل ربّما يُصنّفنا الآخرون أو يحكمون علينا بوصفٍ ما بناءً على مظهر البدانة وحده، ما يجعل وجهات النظر أُحادية إمّا سمنة أو نحافة في المقابل، وهذا بالطبع يترك أثره في نفوسنا، وربّما يهزّ احترامنا لذاتنا، ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
- الحُكم على أجساد الآخرين والتعليق عليها.
- مجاملات فقدان الوزن، كما لو أنّ السمنة وصمة.
- تفسيرات مُتعالية لفوائد فقدان الوزن.
- تقديم نصيحة غير مرغوب فيها.
2. وسائل الإعلام
لم تسلم وسائل الإعلام من نشْر رهاب السمنة، خصوصًا أنّ الطريقة التي يُصوّر بها الأشخاص النحيفين على أنّهم يتّمتعون بجمال ويعيشون أفضل حياتهم في الإعلانات، يجعل من الصعب الانفصال عن هذا الهجوم الفكري، خصوصًا لمن يرون هذا هو المظهر المثالي لأي شخص.
والنتيجة الطبيعية أنّه خارج هذا المعيار المثالي الذي يتضمّن من يعانون زيادة الوزن، فإنّ نظرة الآخرين لهم قد تتأثّر تحت وطأة ما تعرضه وسائل الإعلام ليل نهار.
3. العلاقات
أيضًا في العلاقات تجلٍّ واضح لمسألة رهاب السمنة؛ اعتمادًا على مدى استيعاب أو خوف الشريك من الأشخاص البدينين، وغالبًا ما يُنظَر إلى السمنة على أنّها غير جذّابة أو غير مقبولة، بل وقد يُنظَر إلى الشخص الذي لديه شريك يعاني السمنة على أنّه غير قادر على القيام بعملٍ أفضل، ما يعكس النظرة التمييزية تجاه من يعانون السمنة.
4. العمل
أمّا في بيئة العمل، فقد يكون الأشخاص المصابون بالسمنة أو زيادة الوزن أكثر عرضة لبعض أشكال التحيّز المرتبط بالوزن، سواء في التوظيف أو التقييم المهني أو فرص الترقية. وقد أظهر تحليل تلوي عام 2009 في مجلة السلوك المهني "Journal of Vocational behavior" تأثيرات سلبية كبيرة لدى المصابين بزيادة الوزن والذين يُحرَمون من مزايا عديدة في العمل؛ إذ كان التحيّز القائم على الوزن أقوى بالنسبة لنتائج التوظيف.
5. الموضة
كما تفعل وسائل الإعلام بالضبط، فالموضة لا تستوعب التفاوت في الأجسام بين الناس، بل إنّ أحجام عيّنات المُصمّمين تراوح مقاساتها بين صفر إلى أربعة على الأكثر.
وفي المملكة المتحدة مثلًا، فإنّ 75% من النساء اللاتي يرتدين مقاس 16 وما فوق يكرهن التسوق في الشوارع الرئيسة، بينما 67% منهنّ يُحجِمن عن التسوق، لأنّ شراء ملابس مقاس 16 او أكثر ليس سهلًا بالنسبة لهن، خصوصًا مع عدم توافر هذا المقاس في كلّ المتاجر.
وبعدم تلبية احتياجات الأشخاص ذوي الأوزان الأكبر، فإنّ العلامات التجارية ترفض ضمنيًا شرائح المُشترين هذه تمامًا.
كيف شكّل رهاب السمنة ثقافة التغذية الضارة؟
ثقافة النظام الغذائي هي مجموعة من الأفكار والمعتقدات التي تهدف إلى تعزيز النحافة واللياقة البدنية؛ كون ذلك الجسم هو النوع الوحيد المقبول، وتحقيق هذا الجسم بمثابة "الغاية العظمى" في الحياة.
وبناءً على هذه العقلية، فإنّ ثقافة النظام الغذائي توحِي بأنّ وزن الجسم وحجمه مرتبطان بمسألة الخير والشر، مع ميل الجسم الأكبر إلى التعبير عن فشل أخلاقي أساسي.
ومن المُرجّح أنّ ثقافة النظام الغذائي أسهمت بدرجة كبيرة في إدامة الأفكار المُعادية للسمنة، فالتسويق المرتبط بهذه الثقافة، مثل الإعلانات الخالية من الدهون أو إعلانات إنقاص الوزن، تُخجِل من يتمتّعون بأجسامٍ أكبر حجمًا، وتشجّعهم على إنقاص الوزن، حتى لو كانوا يعيشون بوزنٍ صحي لأجسامهم.
ويمتدّ هذا التفكير بالأبيض والأسود إلى الطعام أيضًا؛ إذ تُصوّر بعض الأطعمة على أنّها جيدة وأخرى على أنّها سيئة، ومثل هذه المفاهِيم قد تفتح الباب أمام عادات الأكل المضطربة، بما في ذلك الشراهة في الأكل، الذي ارتبط بالتغيير المتكرّر للأنظمة الغذائية المُتّبعة.
العلامات النفسية لرهاب السمنة
حسب منظمة الصحة العالمية، فإنّ العلامات النفسية للتحيّز المرتبط بالسمنة:
- الاكتئاب والقلق ومشكلات الصحة النفسية الأخرى.
- ضعف احترام الذات والثقة بالنفس.
- مشاعر الوحدة.
- عدم الرضا عن شكل الجسم.
- مشكلات صحة سببها التوتر.
- تجنّب النشاط البدني.
- احتمال وجود أفكار أو أفعال انتحارية.
كيف تُخفّف وطأة رهاب السمنة عليك؟
حتى لو كان وزنك زائدًا وترغب في خسارة بعض هذا الوزن، فلا ينبغي أن يحملك هذا على أن تزدري نفسك لمجرّد بعض الدهون المتراكمة هنا وهناك، فالأثر النفسي لرهاب السمنة يصعب تجاوزه، وهو مُشكلة تُضاف إلى مشكلة السمنة ذاتها التي تتطلّب انضباطًا عاليًا في التغذية والنشاط البدني. ومع ذلك قد تعِينك النصائح الآتية على تجاوز هذا الرهاب:
1. ثقِّف نفسك
لا تترك عقلك ألعوبة بيد من ينتقد مظهرك، فوزن الجسم لا يخضع لتحكّمنا في بعض الأحيان؛ إذ يتأثّر بعوامل أخرى ليس لنا يد فيها، مثل العوامل الوراثية، وحتى القدرة الفردية على الحصول على الأغذية الطازجة بأسعار معقولة، مثل الفواكه والخضراوات، فربّما لا تكون في متناول جميع الناس، لذا اقرأ أكثر عن العوامل الأخرى التي تتحكّم في السمنة.
2. كُن واعيًا بذاتك
ينبغي أن تمتلك بعض الوعي بأفكارك بشأن الطعام والوزن، فقد يكون رهاب السمنة كامنًا لديك وأنت لا تدري، ولكن يمكِنك رصده إذا كُنت تصنّف بعض الأطعمة على أنّها "سيئة"، أو أنّ النحافة غاية نهائية لك، فربّما وليس أكيدًا تكون لديك تحيّزات مرتبطة بالوزن.
3. اعترِف بما تضرّرت به
قد تلاحظ أنّ تحيّزات الآخرين ونظرتهم إليك وطريقة تعاملهم معك تترك فيك إحساسًا بالذنب أو الندم، ولا ينبغي أن تهرب من تلك المشاعر، ولكن واجِهها واعترِف بالضرر النفسي الذي حصل لك.
4. حوّل انتباهك لشيء آخر
حسب مراجعة عام 2022 في مجلة مراجعات السمنة "Obesity Reviews"، فإنّه يُنصَح بنقل تركيزك من الوزن إلى الصحة لتقليل وصمة العار المرتبطة بالوزن.
وهذا لا يقتصر على حالة الوزن فحسب، بل مثلًا إذا كُنت تمارس تمرينًا رياضيًا، يمكِنك تحويل تفكيرك من حرق السعرات الحرارية إلى التركيز على اكتساب القوة أو الاستمتاع بالرياضة فحسب.
ختامًا قد يتلاعب رهاب السمنة بأفكارنا دون أن ندري، أو ربّما نشعر بازدراء تلقائي تجاه شخص بدين، ولكن لا ينبغي الحُكم على الآخرين بمظهرهم أو افتراض أنّهم السبب الرئيس في معاناتهم من السمنة، كما ينبغي للمصاب بالسمنة أن يكون واعيًا بحالته بدقّة وألّا يلتفت كثيرًا لرأي الآخرين بينما يسعى في تحسين صحته.
