بين التقليد اللاواعي والتعاطُف.. هل التثاؤب معدي حقًا؟
هل جرّبت أن تجلس مع عائلتك أو زملائك في العمل، وما إن تثاءب أحدهم، إلّا واتتك رغبة لا تقدر على دفعها في التثاؤب، بل ربّما وجدت تلك العدوى بادية على زميل آخر تثاءب أيضًا قبلك؟
كثيرًا ما نرغب في التثاؤب عندما تتثاقل جفوننا، أو عندما نشعر بالملل، ولكنّنا كذلك قد نُبدِي صورة من التعاطُف عندما نتثاءب إثر شخصٍ آخر تثاءب للتوّ، وهو ما يتركنا أمام سؤال مُلحٍ هل التثاؤب معدي؟ وكيف يمكِننا وضع حدٍ للتثاؤب إن زاد عن حدّه وأوقعنا في موقفٍ حرج؟
لماذا نتثاءب؟
فسّرت بعض النظريات سرّ تثاؤبنا، ومن بين تلك النظريات:
1. عقلك يُوقِظك
ليست صدفة أنّك تتثاءب كثيرًا عندما يباغِتك النعاس، وتجد جفونك بدأت تتراخى، وبدا سريرك جذّابًا في تلك اللحظة، فالتثاؤب في هذا الحين هو محاولة من عقلك لإيقاظك وانتشالك من هذا النعاس.
ويفترض الباحثون أنّ التثاؤب عندما يجبِر وجهك ورقبتك على الحركة، فإنّه يحفّز الشريان السباتي، ما يزيد معدل ضربات قلبك، وحتى يجعل دماغك أنشط.
2. تخفيف الضغط عن أُذنيك؟
التثاؤب مُفِيد في فتح القناة السمعية التي تنظّم ضغط الهواء في الأذن الوسطى، لذا فإنّك قد تحاول التثاؤب عمدًا عند هبوط الطائرة.
وفي الحقيقة، قد يكون هذا السبب في أنّ جسمك يخبِرك أن تتثاءب لتخفيف الضغط هناك، ولكن نفس التأثير يحدث أيضًا عند البلع، لذا لا يقدر الباحثون على الجزم بأنّ تخفيف الضغط في الأذن الوسطى هو السبب الرئيس للتثاؤب.
3. مٌنظِّم لحرارة دماغك
وجد الباحثون أيضًا أنّ التثاؤب مُعِين على تنظيم درجة حرارة دماغك، وبهذا الصدد يقول الدكتور "دونالد فورد" طبيب طب الأسرة: "لقد افترضوا أنّه مثلما يحتوي جهاز الكمبيوتر الخاص بك على آلية تبريد خاصة به لمنع ارتفاع درجة حرارته، فإنّ جهاز الكمبيوتر في جسمك -الدماغ- يستخدم التثاؤب لتنظيم درجة حرارته".
كما أظهرت دراسات عديدة من بينها دراسة عام 2013 في دورية "Frontiers in Neuroscience" أنّه عندما نتثاءب، فإنّنا نستنشق كمية كبيرة من الهواء في رئتينا، ما يؤدي إلى تبريد الأوعية الدموية في الرأس والرقبة.
علاوة على ذلك، تتمدّد عضلات الوجه في الفك والخدّين فتتكيّف وتنقبض، ما قد يساعد على تهوية الجيوب الأنفية، وتوفير تبريدٍ أكبر للدماغ.
ولعلّك لاحظت أيضًا أنه عندما تتثاءب، فقد تجد دموعك تنساب من عينيك رغمًا عنك، ما يؤدي أيضًا إلى إخراج مزيدٍ من الحرارة.
التثاؤب قد يقلّ شتاءً
أيضًا وجدت دراسة عام 2014 في دورية "Physiology & Behavior" أنّ التثاؤب يحدث بمعدل أقل خلال فصل الشتاء، وهو ما قد يؤيّد فكرة أنّ التثاؤب ينظّم حرارة الدماغ.
إذًا هل التثاؤب مُعدي؟
التثاؤب مُعدي بكل تأكيد، بل حتى لو شاهدت مقطع فيديو لشخصٍ يتثاءب، قد تجد نفسك تتثاءب أيضًا، والحقيقة أنّك تتعاطف وربّما تكوّن علاقة مع من بدأ التثاؤب، حسب ما ذكرته دراسة عام 2015 في دورية "Personality and Individual Differences".
وتناولت الدراسة 135 طالبًا جامعيًا وشخصياتهم وكيفية تفاعلهم مع حركات الوجه المختلفة، وأظهرت النتائج أنّه كُلّما قلّ التعاطُف لدى الشخص، قلّ احتمال تثاؤبه عند رؤية شخص آخر يتثاءب.
ولكن هذا لا يعني تعميم تلك النتائج، فإذا رأيت شخصًا يتثاءب ولم تتثاءب وراءه، فهذا لا يعني أنّك سيكوباتي مثلًا أو ما شابه.
من التقليد اللاواعي إلى التماسُك المجتمعي: سرّ عدوى التثاؤب
ثمّة فرضية التقليد اللاواعي والتي تعني أنّ التثاؤب المعدِي هو شكل من أشكال المحاكاة التلقائية، وهي ظاهرة تُعرَف أيضًا باسم "تأثير الحرباء".
ويفترض هذا المفهوم أنّ تقليد تصرفات الآخرين طبيعيًا حتى مع عدم إدراك ذلك، يمكن أن يساعد على تعزيز الروابط الاجتماعية.
ففي دراسةٍ أُجريت على الببغاوات، اكتشف الباحثون أنّ سلوكات التثاؤب والتمدّد لدى هذه الطيور حدثت بتزامُن، ما يؤيّد فكرة أنّ مثل هذه السلوكات قد تعزّز التماسُك الاجتماعي.
كما دلّت دراسة أخرى على أنّ التقليد اللاواعي قد يزيد مشاعر الإعجاب ويحسّن التفاهم الاجتماعي، ما قد يترك أثرًا إيجابيًا في الحفاظ على العلاقات.
هل ينسخ الدماغ تثاؤب من نراه؟
ثمّة نظام الخلايا العصبية المرآتية (Mirror neuron system) الذي له يد في التثاؤب المُعدِي والتعاطُف، فالخلايا العصبية المرآتية هي خلايا مُتخصّصة تنشط عندما يؤدِّي فرد ما نشاطًا وكذلك عندما ترصد نفس النشاط يؤدِّيه شخص آخر.
فمثلًا عندما ترى شخصًا يتثاءب، تنشط نفس مناطق الدماغ لديك كما لو كُنت أنت من يتثاءب، وتحديدًا مناطق الدماغ التي تشارِك في المعالجة العاطفية والإدراك الاجتماعي.
وهذا النظام العصبي يساعد المرء على التعلّم من خلال التقليد، وكذلك فهم النوايا الكامنة وراء تصرّفات الآخرين، ما يُسهِم في التفاعل الاجتماعي والتعاطُف.
هل فرط التثاؤب طبيعي؟
ربّما تمرّ عليك أيام تتثاءب فيها كثيرًا دون سبب واضح، ولكن الحقيقة أنّ الشخص العادي قد يتثاءب نحو 20 مرة في اليوم، وليس هناك عدد مُحدّد للتثاؤب خلال اليوم.
ولكن التثاؤب الذي تعدّه أنت أكثر من الطبيعي بالنسبة لك -خصوصًا إذا لم يكُن ناجمًا عن تعبٍ أو ملل- قد يكون علامة على مشكلة صحية، مثل:
- الصرع.
- الصداع النصفي.
- التصلب المتعدد.
- مرض باركنسون.
- السكتة الدماغية.
وإذا شعرت في أي وقت أنّ تثاؤبك تخطّى المعدل الطبيعي بالنسبة لك، فمن الأفضل استشارة الطبيب.
كيف تضع حدًا للتثاؤب إن أزعجك؟
إذا بدأ التثاؤب المستمرّ يزعجك، أو يضعك في موقفٍ محرج وسط الآخرين، ومهما حاولت إيقافه لا تجد شيئًا يفلِح معك، فجرِّب النصائح الآتية:
- خُذ أنفاسًا من أعماق صدرك: التنفّس العميق عبر الأنف يساعد على إيقاف التثاؤب، فقد بيّنت دراسة عام 2007 في دورية "Evolutionary Psychology" أنّ التنفّس الأنفي يقلّل من التثاؤب المعدي.
- لم لا تتحرّك؟: إذا كان تثاؤبك بسبب التعب أو النعاس -ولا تقدر على أخذ قيلولة سريعة- فإنّ تنشيط جسمك بمجرّد النهوض والحركة يمكِن أن يُذهِب النعاس بعيدًا.
- برّد جسمك: قليل من البرودة كافٍ أحيانًا لوقف التثاؤب، ويمكنك أن تمشي في الخارج وتستنشق بعض الهواء النقي أو تتناول رشفات صغيرة من الماء المثلج.
ختامًا التثاؤب معدي لا شكّ في ذلك، وربّما تُبدِي تعاطُفك مع غيرك أو تُكوّن علاقة بطريقةٍ ما من خلال تثاؤبك، كما أنّ التثاؤب وسيلة لإيقاظك إذا نعست، ومنظّم لحرارة دماغك إذا ارتفعت درجة حرارته، ومن الطبيعي التثاؤب حتى 20 مرة في اليوم -وربما أكثر- وإن أزعجك، خُذ نفسًا عميقًا أو تحرّك أو برّد جسمك.
