مهاراتك الضحيّة الأولى.. كيف سيطر الذكاء الاصطناعي على عقولنا؟
في كُلّ أمرٍ تكتبه وجوابٍ تنتظره من أداة ذكاء اصطناعي، ينخفض رصيد مهاراتك وقُدرتك على التعلّم رويدًا رويدًا، ولكنّك قد لا تشعر بذلك في التوّ واللحظة، وإنّما عندما تكون في أمسّ الحاجة إلى المهارات التي بنيتها على مدار سنوات العُمر، أو حين تأتي اللحظة التي تحاوِل فيها تعلّم شيءٍ جديد.
ولكن ليس من المنطقي أيضًا أن تحرم نفسك بالكامل من الذكاء الاصطناعي؛ خصوصًا مع إمكانية إنجازه المهام الروتينية، ليصفو عقلك للمهام التي تحتاج إليه حقًا.
فإلى أي مدى قد يحرمنا الذكاء الاصطناعي من مهاراتنا؟ وكيف يمكِن استخدامه بتوازُن دون أن يستبدل عقولنا؟
تأثير الذكاء الاصطناعي على الدماغ.. التفريغ المعرفي بداية القصّة
التفريغ المعرفي (Cognitive offloading) ببساطة هو أن تستخدم الذكاء الاصطناعي لإتمام مهمة ما، ولكن ذهنك لا يكون منخرطًا في المهمة مثل الشخص الذي ينفّذ المهمة بنفسه.
نعم قد لا يؤثّر ذلك كثيرًا في النتيجة النهائية، ولكن قد تلحظ أثر التفريغ المعرفي عليك عندما تحاول تعلّم شيءٍ جديد.
وقد بحثت دراسة عام 2026 بعنوان "كيف يؤثّر الذكاء الاصطناعي في تكوين المهارات" تأثير التفريغ المعرفي الناجم عن استخدام الذكاء الاصطناعي في تكوين مهارات البرمجة على الأمد الطويل، ولكنّ الدراسة لا تزال في نُسختها الأولية، ولم تخضع بعد لمراجعة الأقران، ومِنْ ثمّ يجب اعتبار نتائجها أولية.
وفي الدراسة، قُسِّم 52 متطوعًا على مجموعتين، وكان جميعهم من مبرمجي الحاسوب المحترفين أو المستقلّين، وكان على كلا المجموعتين تعلّم مهارة برمجة حاسوب مُعقّدة وإكمال مهام برمجة الحاسوب المختلفة.
والنتيجة كانت أنّ المجموعة التي سُمِح لها باستخدام الذكاء الاصطناعي لم تكُن أسرع من الأخرى التي لم تستخدمه، ولكن أداءها كان أسوأ بكثير في الاختبار.
بل كان متوسّط درجات مجموعة الذكاء الاصطناعي أقل بنسبة 17% من المجموعة الأخرى، وكان هذا التأثير ساريًا في المبرمجين المبتدئين والمتوسطين والخبراء على حدٍ سواء.
كما كان المشاركون في الدراسة الذين اعتمدوا كُلّيًا على الذكاء الاصطناعي لتوليد المعلومات البرمجية درجاتهم أسوأ بشكلٍ خاصّ في الاختبار، بينما كان أداء المشاركين الذين طلبوا من الذكاء الاصطناعي إنشاء التعليمات البرمجية وتقديم تفسيرات بشأن التعليمات التي أنشأها أفضل.
هل يسلبنا التفريغ المعرفي مهاراتنا التي اكتسبناها بعرق السنين؟
تُظهِر نتائج الدراسة دلالة واضحة بشأن تأثير الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في أثناء تعلّم مهمة معقدة، مثل البرمجة؛ إذ قد يقلّل ذلك من قدرتنا تعلّم مهارات جديدة.
فالمُتعلِّمون الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي لا يتعلّمون بالقدر نفسه بالنسبة لمن لا يعتمدون عليه.
ورغم أنّ الكفاءة في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي من المهارات الرئيسة المُرجّح أن تحتل سوق العمل مستقبلًا، فينبغي تعلّم المهارات الأساسية أولًا بالجهد الذاتي قبل الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي.
الكسل المعرفي.. هل يحرم الذكاء الاصطناعي الطُلّاب من قدراتهم؟
زاد انخراط تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في التعليم من المدرسة الابتدائية وحتى الكُلّية مع تأجيل طرح أسئلة مشروعة بشأن السلامة والفائدة من دمج هذه التكنولوجيا في مراحل التعليم.
والمبرّر الأساسي -الذي تقدّمه الشركات التي لديها مصلحة مالية في نجاح الذكاء الاصطناعي والتي توقّع عقودًا بملايين الدولارات مع المدارس لاستخدام منتجاتها- هو أنّ هيمنة الذكاء الاصطناعي مستقبلًا أمر لا مفرّ منه، لذا يحتاج الأطفال إلى التعرّف عليه كي لا يتخلّفوا عن الركب.
ومع ذلك فإنّ قلق الطلاب وأولياء الأمور منطقي، بل يدّعي بعضهم كراهيتهم للذكاء الاصطناعي، سواء لأنّه يُفرَض عليهم أو بسبب المخاوف من أنّه قد يحمل نتائج عكسية على التعلّم من خلال توليد الكسل المعرفي (Cognitive laziness).
هل الكسل المعرفي حقيقي؟
رصدت دراسة غير منشورة حتى الآن من مختبر الوسائط التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا انخفاضًا في "التفاعل المعرفي" و"الحمل المعرفي"عندما استخدام الطُلّاب روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي لإكمال مهام الكتابة، مقارنةً بأولئك الذين استخدموا عمليات بحث جوجل أو لم يستخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي.
وبطبيعة الحال قد يكون التفاعل المعرفي أقل عندما يطلب الطلاب من روبوتات الدردشة كتابة مقالاتهم لهم بدلًا من التعبير بإبداعهم الخاصّ.
من الكسل المعرفي إلى الديون المعرفية
ربّما لا يكون ما فعله الطلاب سيئًا بالضرورة؛ إذ غالبًا ما يستخدم الناس روبوتات الدردشة -تمامًا كما يستخدمون الآلات الحاسبة- لتوفير الوقت.
ومع ذلك، حذّرت الدراسة التي أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا من أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي قد يتسبّب في تراكم الديون المعرفية (Cognitive debt) لدى الطُلّاب، ما يدلّ بجلاء على أنّ توفير الوقت له ثمن.
ما هي الديون المعرفية التي يُثقِلنا بها الذكاء الاصطناعي؟
بيّنت إحدى الدراسات عام 2026 لجامعة كورنيل -والتي لم تُنشَر بعد- أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي قلّل من المثابرة في مجموعة متنوعة من مهمات الرياضيات والقراءة، كما أضعف أداء المهام اللاحقة عندما أُدِّيت دون معاونة منه.
وخلص المؤلِّفون إلى أنّ مساعدة الذكاء الاصطناعي قد تحسّن الأداء على الأمد القصير، ولكنّها قد تُضعِف التعلّم على الأمد الطويل من خلال حرمان الناس من تجربة التغلّب على التحدّيات وحدهم.
ويؤيّد ذلك دراسة أخرى منشورة عام 2025 في دورية "PNAS Nexus"؛ إذ ذكرت أنّ الاعتماد على ملخصات روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي للحصول على إجابات الأسئلة أفضى إلى معرفة نعم، لكن أقل عمقًا، وذلك مقارنةً مع استخدام عمليات بحث جوجل التي تتطلّب استكشاف مصادر المعلومات وتجميعها بنفسك.
ووُصِف هذا الانخفاض في الأداء وعُمق المعرفة على الأمد الطويل بالضمور المعرفي (Cognitive atrophy) أو الاستسلام المعرفي (Cognitive surrender).
بين الذكاء الاصطناعي ووهم المعرفة
بناءً على النتائج سالفة الذكر، خلص الباحثون إلى إطلاق وصف العُكّاز المعرفي (Cognitive crutch) على روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، فهي تمدّك بمعرفة فورية، ولكنّها تُضعِف قدرتك على التعلّم بدلًا من تعزيزه.
كيف تستفيد من الذكاء الاصطناعي دون أن يسلبك مهاراتك وعقلك؟
لا يعني كلّ ما سبق أن تحرم نفسك من سُرعة الذكاء الاصطناعي في إنجاز المهام، ولكن ينبغي أن تستخدمه بالطريقة التي تَحفظ عليك مهاراتك التي تعبت في اكتسابها وقدراتك الذهنية، وفيما يلي بعض الطرق التي تمدّك بأكبر قدرٍ ممكن من فوائد الذكاء الاصطناعي بأدنى الأضرار، حسب منصة "Psychology today":
1. الذكاء الاصطناعي مُساعِدك المُخلِص وليس بديلًا عنك
اترك الذكاء الاصطناعي يتعامل مع المهام الروتينية، مثل تنظيم البيانات أو إنشاء المسودات، وأبقِ لعقلك مهامه، كالتحليل والحُكم على الأمور والإبداع.
فمثلًا يسعك استخدام الذكاء الاصطناعي لتلخيص ملاحظات الاجتماع، ثُمّ أن تقضِي بعض الوقت بعد ذلك في فهم تلك الأفكار بنفسك، فهذا يضمن نشاط دماغك وتفاعله، كي لا يُصِيبك الكسل المعرفي أو تتراكم عليك ديون معرفية.
2. ضع حدودًا عند استخدام الذكاء الاصطناعي
لا تترك نفسك مستمرًا في كتابة الأوامر للذكاء الاصطناعي، فيُجِيبك، فتطلب منه شيئًا آخر، وهكذا بينما تمضي عقارب الساعة، بل حدّد أولًا مُدّة استخدامك له، وثانيًا كيفية الاستخدام لمهامٍ مُحدّدة.
كما ينبغي أن تتجنّب الاعتماد عليه في كل شيء، خصوصًا المهام التي تتطلّب حلّ المشكلات أو التفكير النقدي، ولترجمة ذلك على أرض الواقع، احصر استخدام الذكاء الاصطناعي فيما لا يزيد على 50% من عملك في المشاريع المعقدة، حتى يظلّ ذهنك حاضرًا.
3. دع عقلك يعبّر عن نفسه
بعد أن استخدمت الذكاء الاصطناعي، توقّف مؤقتًا للمراجعة والتساؤل وربط الأفكار ببعضها بنفسك، فهذا يعزّز ذاكرتك وقدرتك على التعلّم، ويُبقِي الفضول البشري متّقدًا لديك.
ولا بأس بأن تجرّب شرح النتائج أو الأفكار لشخص آخر بكلماتك أنت للتأكّد من أنّك هضمتها جيدًا، والهدف من كلّ تلك النصائح أن يكون الذكاء الاصطناعي شريكك في التفكير ومساعِدك الأمين في العمل، ولكن ليس على حساب عقلك ومهاراتك التي لا تُقدَّر بثمن.
