هل يؤثر الذكاء الاصطناعي على عقولنا؟ تحذيرات علمية تفضح المخاطر الخفية
أطلق خبراء في علم النفس والعلوم المعرفية تحذيرات جادة، من أن الاعتماد المتزايد والمفرط على منتجات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى أضرار جسيمة في القدرات الإدراكية للبشر.
ومع توافر أدوات برمجية متطورة تتولى مهام التفكير نيابة عن الإنسان، بات من المغري بشكل متزايد تفويض المهام الذهنية الصعبة إلى روبوتات الدردشة والوكلاء الرقميين، ما يضع مهارات التفكير النقدي في مواجهة خطر التآكل والاندثار.
وأشار تقرير نشره موقع ذا كونفرزيشن، إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها "شات جي بي تي" و"كلود" و"جيمناي"، باتت تنجز في ثوانٍ معدودة مهامًا كانت تتطلب جهدًا ذهنيًا بشريًا؛ بدءًا من صياغة المراسلات المهنية ورسائل التهنئة الشخصية، وصولاً إلى تلخيص الروايات والمؤلفات الضخمة، التي لم يجد القراء متسعًا من الوقت لمطالعتها.
هذا التدفق المعلوماتي الهائل دفع الباحثة ميسيا تملر من جامعة سيدني، للتأكيد على أن البيئة الرقمية الحالية تستغل الفروق الفردية في كيفية الإدراك والانتباه، ما يدفع البعض لاتخاذ اختصارات ذهنية تجعل تفاعلهم مع المعلومات سطحيًا، وتزيد من معدلات الكسل والقلق والتبعية التقنية.
تأثير الذكاء الاصطناعي على معالجة المعلومات والذاكرة
تعتمد القدرات المعرفية البشرية على ثلاث وظائف أساسية، وهي: ترميز المعلومات، وتخزينها، ثم استرجاعها، وقد أوضحت الأبحاث أن العقل عندما يتعرض لضغط خارجي أو إجهاد في الانتباه، فإنه يركز على الترميز (استقبال المعلومة)، ويضحي بالتخزين والاسترجاع لكونهما أكثر إرهاقًا.
وحذر الخبراء من الخطورة البالغة الكامنة في التفويض العشوائي لعمليات تحصيل المعرفة لصالح تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدين أن المعارف التي يكتسبها الإنسان ذاتيًا تتفاعل بعمق مع المعلومات الجديدة في العقل، لتشكل ركيزة الوعي النقدي؛ إذ ترتبط القدرة على تفسير ظواهر العالم واستشراف مخاطر المستقبل طردياً بحجم المخزون المعرفي الذي يمتلكه الفرد، لا الذي تستحضره له الآلة.
كيف تستعيد السيطرة على عقلك في عصر التكنولوجيا؟
يشير الخبراء إلى أن المشكلة لا تكمن في أصل استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية توظيفه، فالإنسان يعتمد تاريخيًا على خبرات الآخرين كالأطباء والمهندسين لتوسيع مداركه، وهو ما يعرف بـ"الدعم المعرفي".
فعلى سبيل المثال، لا يقوم المعلم بكتابة المقال للطالب، بل يقدم له ملاحظات تساعده على بناء معرفته الخاصة، وبالمثل، يجب أن تظل السيطرة في يد الإنسان لتحديد المهام التي يفوضها للآلة، والمهام التي يجب أن ينجزها بجهده الذهني الخاص، لضمان نمو قدراته العقلية.
ولتحقيق علاقة صحية ومستدامة مع الذكاء الاصطناعي، يشدد الخبراء على ضرورة ممارسة التفكير التأملي؛ فبدلاً من اختيار المسار الأسهل دائمًا، يجب على المستخدم القيام بمهام معرفية صعبة لتعزيز لياقته الذهنية.
وشدد التقرير على أن استعادة التوازن الذهني في العصر الرقمي، تفرض على المستخدمين استشعار المسؤولية تجاه قدراتهم العقلية؛ إذ لا يقل بذل الجهد الفكري أهمية عن ممارسة الرياضة البدنية للحفاظ على الكفاءة العامة، مؤكدًا أن التخلي عن تمرين المهارات العقلية بانتظام يضع البشرية أمام خطر حقيقي، يتمثل في ضمور هذه الملكات وفقدانها لصالح خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
