هل ديجا فو مجرد خدعة عقلية؟ دراسة تكشف السر
أثبتت دراسة علمية أن ظاهرة "ديجا فو"، وهي الإحساس المفاجئ بأن موقفاً جديداً سبق أن عِشته من قبل رغم أنك تعلم أنك تمر به لأول مرة، والأحاسيس الذهنية المشابهة لها ليست حالات نادرة أو أعراضاً مقلقة، بل هي نتاج طبيعي يُفرزه العقل البشري حين يجد نفسه غير مشغول بمهام تستوعب تركيزه الكامل، وذلك وفقاً لما نشرته مجلة Consciousness and Cognition من نتائج بحثية حديثة.
وقد أجرى الدراسة فريق بحثي بقيادة كريستيان بارزيكوفسكي، رئيس مختبر بحوث الذاكرة التطبيقية في جامعة جاغيلونيان وزميل ما بعد الدكتوراه في جامعة غرونوبل ألب، الذي انطلق من ملاحظة أن هذه الظواهر الذهنية تُدرس عادةً بمعزل عن بعضها، في حين أن الحياة اليومية تُظهر أنها تنشأ معاً في سياقات متشابهة.
تجربة ديجا فو في المهام المخبرية المملة
اعتمد الباحثون في تصميم دراستهم على تجنيد 96 طالباً جامعياً لإنجاز مهمة رقابية متعمَّد فيها الإملال، إذ أمضى المشاركون نحو ساعة كاملة أمام شاشة تعرض 400 شريحة متتالية، مُطالَبين بالضغط على مفتاح بعينه حين يرون خطوطاً رأسية نادرة بين خطوط أفقية متكررة.
وكانت الشرائح تحتوي على صور لمدن مألوفة وأخرى غير مألوفة، فضلاً عن كلمات حقيقية وأخرى مخترعة.
كان المشاركون قادرين على إيقاف التجربة مؤقتًا كلما شعروا بحالة ذهنية مفاجئة، ثم تصنيفها ضمن خيارات محددة. هذه الحالات شملت:
- ديجا فو: الإحساس بأن الموقف الحالي مألوف وكأنك مررت به من قبل.
- جاميه فو: عكس ديجا فو، وهو أن شيئًا مألوفًا يبدو غريبًا أو غير صحيح فجأة.
- الكلمة على رأس اللسان: الشعور بأنك تعرف كلمة أو معلومة لكنك غير قادر على استرجاعها فورًا.
- الشرود الذهني: فقدان التركيز والدخول في حالة من التفكير الداخلي.
- الذكريات غير المقصودة: ذكريات شخصية تظهر فجأة دون محاولة استدعائها.
وأظهرت النتائج أن المشاركين عاشوا طيفاً واسعاً من هذه الحالات، إذ جاءت الذكريات غير المقصودة في المرتبة الأولى، تلتها "ديجا فو" مباشرةً في المرتبة الثانية.
العلاقة بين ديجا فو والذكريات المفاجئة
رصد الباحثون ارتباطاً إيجابياً لافتاً بين كثرة الذكريات غير المقصودة وتكرار "ديجا فو" لدى المشاركين أنفسهم، ما يُرجّح أن الظاهرتين تنبعان من آلية ذهنية مشتركة.
ويرى الباحثون أن إشارةً بيئية ما قد تُحفّز منظومة استرجاع الذاكرة في الدماغ، فبدلاً من استحضار ذكرى محددة، تتوقف العملية عند منتصف الطريق وتُفرز شعوراً مبهماً بالألفة دون محتوى واضح.
كما كشفت الدراسة أن المشاركين الأكثر تركيزاً في أداء مهمة رصد الخطوط أبلغوا عن عدد أقل من هذه الحالات الذهنية، مما يعني أن التركيز العميق في مهمة خارجية يُضيّق المساحة المتاحة لهذه الأحاسيس الداخلية كي تطفو إلى السطح.
وخلص بارزيكوفسكي إلى أن هذه التجارب تعكس جانباً طبيعياً وتكيفياً في آلية عمل الدماغ، الذي لا يتوقف عن مراقبة المعلومات وربط اللحظة الراهنة بما هو مخزون في الذاكرة حتى حين يبدو في حالة سكون.
