تعود لتطاردك.. دراسة: الأسرار لا تبقى مخفية
كشفت دراسة علمية حديثة أن التعب النفسي الناتج عن كتمان الأسرار لا يعود إلى الجهد الذي نبذله لإخفائها عن الناس كما يعتقد الكثيرون، بل يكمن في الطريقة المزعجة التي تفرض بها الأسرار نفسها على التفكير فجأة دون استئذان.
وأوضحت نتائج الدراسة -المنشورة في دورية "ساي أركايف"- أن الأسرار لا تبقى مدفونة في الذاكرة، بل تطارد الشخص في لحظات الهدوء والروتين اليومي، ما يولد ضغطًا ذهنيًا مستمرًا ومشاعر سلبية ترهق العقل لفترات طويلة.
تأثير كتمان الأسرار على المشاعر النفسية
وأظهرت دراستان تتبعتا الحياة اليومية للمشاركين، أجراهما باحثون في جامعة ميلبورن، أن الأفكار المكتومة تبرز بشكل متكرر أثناء ممارسة الأنشطة التي لا تتطلب تركيزًا عاليًا.
ووفقًا للأنماط المرصودة، فإن العودة غير المخطط لها للتفكير في السر تجلب مشاعر سلبية تفوق بمراحل التفكير المتعمد فيه؛ إذ يزداد العبء النفسي عندما يفرض السر نفسه على الوعي قسرًا، مقارنة باللحظات التي يتم فيها استرجاعه بإرادة الشخص، ما يكشف الآلية الحقيقية وراء التكلفة النفسية العالية لعملية كتمان الأسرار.
ولفتت الدراسة الأولى إلى أن الفرد لا يحمل سرًا واحدًا فقط، بل يمتلك المشاركون في المتوسط 9 أنواع مختلفة من الأسرار، حيث اعترف 78% منهم بإخفاء "كذبة" ما.
ولم تكن أغلب هذه الأسرار ذات طابع درامي، بل كانت قضايا شخصية للغاية؛ إذ أعرب 71% عن عدم رضاهم عن مظهرهم، بينما أخفى 70% مخاوف مالية، بالإضافة إلى رغبات عاطفية ومشكلات عائلية.
وتؤكد نتائج الدراسة أن الهموم اليومية المكتومة هي التي ترهق الإنسان وتستنزف طاقته أكثر من الأسرار الكبرى أو النادرة.
مقارنة بين التفكير المتعمد والعفوي
وفيما يخص آلية عمل العقل، كشف البحث عن فرق جوهري بين التفكير المتعمد في السر، والذي يستهلك الانتباه باختيار الشخص، وبين التفكير العفوي الذي يسحب الانتباه دون سابق إنذار.
وأشارت التقارير اليومية إلى أن "القلق" يظهر غالبًا في اللحظات غير المدعوة، بينما تظهر الأفكار المحايدة أو الخيالية (مثل أحلام اليقظة) عندما يختار الشخص استرجاع السر بنفسه.
ويوضّح هذا التمييز لماذا يظل كتمان الأسرار مرهقًا؛ فالأفكار المتطفلة غالبًا ما تكون محملة بمخاوف حول العواقب، أو إطلاق الأحكام، أو الأضرار التي وقعت بالفعل.
ورغم أن كتمان الأسرار قد يحمي العلاقات أو الخصوصية في بعض الأحيان، إلا أن الدراسة حذرت من "الدورة الذاتية" التي تتغذى فيها المشاعر السلبية على الأفكار المزعجة، ما يجعلها تعود بشكل أكثر كثافة، خاصة في لحظات الفراغ الذهني مثل الاستحمام أو القيام بالأعمال الروتينية.
ولتخفيف هذا العبء، يقترح الباحثون استراتيجية "إعادة التقييم" أو التحدث عن الضغوط المرتبطة بالسر مع طرف ثالث موثوق لتقليل وتيرة هذه الاقتحامات الذهنية المرهقة.
