لماذا نتمسك باختياراتنا القديمة؟ علماء يكشفون السر
كشفت دراسة علمية حديثة أن البشر يميلون إلى التمسك باختياراتهم المعتادة ليس بناءً على تقييم منطقي لجدواها، بل لمجرد تكرار اختيارها سابقًا.
وكشفت الدراسة المنشورة في دورية "كوميونيكيشنز سايكولوجي"، عن "نفوذ خفي" يمارسه التكرار السلوكي في إعادة صياغة تقدير الأفراد للقيم ورفع منسوب الثقة في الخيارات التقليدية، وهو ما ينعكس بشكل جذري على جودة اتخاذ القرارات اليومية، بدءًا من الخيارات الاستهلاكية البسيطة وصولًا إلى القرارات المهنية والمصيرية الأكثر تعقيدًا.
لماذا نكرر الاختيارات؟
ووثّق الدكتور بن جيه فاجنر من جامعة دريسدن التقنية في ألمانيا، من خلال سلسلة من مهام اتخاذ القرارات، أن المشاركين فضلوا الخيارات التي اختاروها بكثافة في مراحل سابقة، حتى عندما كانت البدائل تقدم نفس العائد تمامًا.
وبحسب النتائج، فإن التكرار وحده يعمل كمحرك غير مرئي يمنح الأفضلية لكل ما هو مألوف، كاشفًا عن آلية ذهنية تعيد تشكيل قناعاتنا وتقديرنا للأمور بمعزل عن المعايير المنطقية، وهو ما يفسر غياب العقلانية في الكثير من جوانب عملية اتخاذ القرارات.
واعتمدت التجربة في بدايتها على جولة تعليمية اختار فيها المشاركون بين أزواج من الرموز مع تلقي تعليقات فورية لمعرفة أي الخيارات تحقق مكاسب أكبر.
وفي مرحلة لاحقة، تم وضع نفس الرموز في مواجهات جديدة وغير مألوفة، حيث تساوت العوائد بين الخيارات، إلا أن الماضي ظل مسيطرًا على عملية اتخاذ القرارات الحالية؛ إذ حصلت الخيارات المتكررة على تقييمات أعلى ووُصفت بأنها "أفضل" و"أكثر أمانًا" رغم غياب أي ميزة موضوعية تبرر هذا التفضيل.
تأثير "المثابرة" على التسوق
وأشار فاجنر إلى أن المفاجأة تمثلت في مدى قوة التكرار المنفرد في تغيير التفضيلات، حيث أدى ظهور إعداد بصري معين بكثافة أكبر من غيره إلى دفع المشاركين لتمجيد ذلك الخيار وتفضيله آليًا.
ويُعرف علماء النفس هذه الظاهرة باسم "المثابرة"، وهي تكرار فعل معين حتى بعد تغير الظروف المحيطة، حيث يربط الدماغ بين إشارة معينة واستجابة محددة، مما يجعل الذاكرة تستدعي هذا الرد بسرعة تفوق عملية المقارنة المنطقية الضرورية عند اتخاذ القرارات.
ولتفسير هذه الظاهرة، طور الفريق البحثي نموذجًا حاسوبيًا يعتمد على "التعلم المعزز"، والذي يطور خياراته بناءً على النتائج السابقة.
وأكدت نتائج النموذج أن المزج بين التعلم القائم على النتائج والرغبة في تكرار الأفعال هو المحرك الفعلي لسلوك المشاركين، خاصة عندما يصبح الاختيار نمطًا روتينيًا لتخفيف العبء العقلي.
وحذر الباحثون من أن هذا الاعتماد على التكرار قد يجعل عملية اتخاذ القرارات رهينة لعادات بائدة لا تتوافق مع الواقع الجديد.
وأوضحت الدراسة أن المسوقين ومصممي الفضاءات الرقمية يستغلون هذا الميل الفطري عبر وضع خيارات محددة أمام المستخدمين بشكل متكرر، مما يحول "الراحة" إلى "تفضيل شخصي" مزيف.
وفي سبيل ضمان نزاهة عملية اتخاذ القرارات، حث الباحثون المصممين على ضرورة تدوير الخيارات الافتراضية والمباعدة الزمنية بين التنبيهات، مع دعوة المستخدمين إلى التريث قليلاً قبل الإقدام على الاختيار؛ بهدف كسر حالة الانجذاب الآلي والارتهان للقرارات السابقة.
