لماذا تشعر بالتعاسة رغم النجاح؟ هذه الدراسات تكشف السر
الشعور بالتعاسة أو الإرهاق، رغم امتلاك الأهداف وتحقيق النجاح، ليس دليلاً على الكسل أو الجشع، بل هو انعكاس لاختلال في تلبية الاحتياجات النفسية المتعددة، التي رسم ملامحها عالم النفس الإنساني أبراهام ماسلو في نظريته الشهيرة عن هرم الاحتياجات.
وقد أكدت دراسة نُشرت في مجلة Journal of Personality and Social Psychology، أجريت على أكثر من 60 ألف مشارك في 123 دولة، أن تلبية احتياجات ماسلو الأساسية من أمان وانتماء واحترام تتنبأ بصورة مستقلة بمستوى الرضا عن الحياة والمشاعر الإيجابية، وأن تلبية الاحتياجات العليا لا تُلغي الحاجة إلى الاحتياجات الدنيا.
دور الأمان والانتماء في تفسير الشعور بعدم الرضا
وفي مقدمة الاحتياجات المُهملة يأتي الأمان، الذي يشمل الاستقرار المالي والصحي، والقدرة على التنبؤ بالمستقبل.
وعلى الرغم من أن ثقافة الطموح الحديثة تُمجّد المخاطرة وتُقلّل من شأن الاستقرار، فإن الجهاز العصبي يبقى في حالة تأهب مستمر حين تكون هذه الأسس متزعزعة.
فيما تؤكد دراسة نُشرت في مجلة Science، أن الشعور بالضائقة المالية يستنزف الطاقة الذهنية، ويُضعف القدرة على التخطيط بعيد المدى واتخاذ القرارات، مما يعني أن السعي نحو تحقيق الذات في ظل قلق مالي مزمن أو حرمان من النوم لا يُفضي غالباً إلا إلى الإرهاق المُقنَّع بأوهام الطموح.
الانتماء الاجتماعي وأثر العزلة على الصحة والرضا النفسي
أما الاحتياج الثاني الذي يُحذر ترافرز من إهماله فهو الانتماء، الذي وضعه ماسلو في قلب هرمه لا في قمته، إدراكاً منه لعمق الطبيعة الاجتماعية للإنسان.
وتكشف دراسة مراجعية نُشرت في مجلة Perspectives on Psychological Science، أن العزلة الاجتماعية والوحدة تزيدان من خطر الوفاة المبكرة بمستوى يُعادل تدخين خمس عشرة سيجارة يومياً، وهو تأثير يفوق في ضرره السمنة وقلة الحركة.
ويرى ترافرز أن الحياة المعاصرة تُفتّت هذا الانتماء بصمت؛ إذ يُقلّص العمل عن بُعد التواصل البشري المباشر، فيما تمنح وسائل التواصل الاجتماعي الظهور دون العلاقات الحقيقية، وتُحفّز ثقافة الإنجاز على التنافس بدلاً من التواصل، والنتيجة أن كثيرين باتوا في تواصل دائم مع الآخرين وفي وحدة عميقة في آنٍ واحد.
أثر المقارنة الاجتماعية على تقدير الذات والنمو النفسي
أما الاحتياج الثالث فهو تقدير الذات، الذي يجمع بين الثقة الداخلية بالنفس والتقدير الخارجي من الآخرين.
ويُحذر ترافرز من خطر تفويض هذا التقدير لمقاييس خارجية متقلبة، كالإعجابات على منصات التواصل الاجتماعي والترقيات والإنجازات المادية، مستنداً إلى دراسة نُشرت في مجلة Journal of Abnormal Child Psychology، تُثبت أن المقارنة عبر وسائل التواصل تتنبأ بأعراض الاكتئاب وتدني تقدير الذات.
وحين يصبح الشعور بالقيمة رهيناً بالنجاح المستمر، تتحول أي نكسة صغيرة إلى تهديد وجودي، ويغدو الطموح مصدراً للقلق لا للنمو، والحل وفق ترافرز في بناء تقدير ذاتي داخلي راسخ، يصمد أمام التراجعات ولا يتوقف على موافقة الآخرين.
