كيف يحافظ الرجل على توازنه وسط العواصف السياسية؟
في الحروب والأزمات، مثل التي يعيشها العالم حاليًا، ترتفع مستويات التوتر وتتأثر نفسياتنا حتى لو كنا بعيدين عن مركز الأحداث جغرافيًا. عقولنا تُفسر ما نراه كتهديدٍ مباشر حتى لو لم يكن حقيقيًا.
هناك مُصطلح في علم النفس يُعرف بـ "الصدمة غير المباشرة" أو "الصدمة بالوكالة Vicarious traumatization"، يعرفه المتطوعون في الجمعيات والمؤسسات الإنسانية -مثل الهلال الأحمر- جيدًا، حيث تزداد فرص تعرضهم لصدمة نفسية من خلال الاحتكاك بالمنكوبين وقت الأزمات. ومن هنا نتساءل: كيف يحافظ الرجل على توازنه وسط العواصف السياسية؟
الحل في الديتوكس الإخباري!
يُستخدم مصطلح "الديتوكس" -الذي يعني إزالة السموم طبيًا- في مجالات مختلفة، أشهرها التقنية، تحت مُسمى "الديجيتال ديتوكس".
في سياق هذا التقرير، هناك ما يُعرف بـ "الديتوكس الإخباري News Detox"، ومعناه تنظيم أو تخفيف استهلاك الأخبار بشكل يحمي صحتك النفسية. ولأن الاخبار تنبثق لنا من حيث لا ندري، إليك خطوات بسيطة ستساعدك على لجمها:
1. حدد وقتًا محددًا لمتابعة الأخبار
إذا كنت تتصفح المواقع الإخبارية قاصدًا، فلا نحتاج إلى أن نوصيك بتخصيص وقت محدد في اليوم (15-30 دقيقة مثلًا) بدلًا من مراقبتها على مدار الساعة. الأخبار أحيانًا تكون مغرية ودرجة إغرائها تتناسب مع حجم الحدث، لكن يجب أن تقيّدها لأن الاستغراق فيها يزيد التوتر.
2. أوقف الإشعارات وتنبيهات الأخبار
مثل Google News وApple News وأي تطبيق مشابه. إيقاف التطبيقات سيقيك احتمالية التعرض لخبر مؤسف يعكر مزاجك فجأة؛ تحكم أنت في الأمر واعلم أن تعكيرك لمزاجك بنفسك أفضل كثيرًا من أن يُعكره لك إشعار لست مستعدًا له!
3. قلل "سكرولينج"
عندما تُقلّب في الصفحة الرئيسة لفيسبوك أو إكس -أو أيًا كان- دون ضابط ولا وعي، فأنت تقع في الفخ المعروف بالـ "سكرولينج المُهلك Doomscrolling"، وعلى الرغم من أن لفظ "المُهلك" هذا قد يكون مبالغًا فيه بعض الشيء، إلا أنه يهلك عقلك وذهنك حقًا.
4. قلل كمية الأخبار السلبية
ظهور الأخبار السلبية ليست مشكلتك بكل تأكيد، لكن كثرة تكرارها مسؤوليتك. فعندما تقف عند كل خبر سلبي وتتفاعل معه أكثر من غيره، تعرف خوارزميات المنصة أنك تُحب هذا النوع من الأخبار فتُغرقك به. حاول دائمًا أن تبحث عن الأخبار الإيجابية اللطيفة وأرح عقلك ونفسك من هول السلبيات، فلن تستفيد شيئًا بمتابعتها يا رجل!
5. كن واعيًا
استكمالًا للنقطة السابقة، قبل قراءة أي خبر، اسأل نفسك: هل هذا الخبر مهم لي حقًا؟ هل سيضيف لحصيلتي المعرفية؟ وهل هذه الإضافة تستحق أن أضحي بمزاجي لأجلها؟ هل يستحق وقتي الثمين؟ هذه الأسئلة ستساعدك في بناء علاقة أكثر وعيًا مع الأخبار، فقط جرّب.
اقرأ أيضًا: "عِش بصحة".. أكبر فعالية تفاعلية في ملتقى الصحة العالمي 2025 لتعزيز الوعي الصحي
روتين صباحي مضاد للقلق
بمناسبة "اليوم الذي بدأ"، دعنا نهديك روتينًا صباحيًا يوميًا مضاد للقلق:
1. حدد موعد استيقاظ ثابت، حتى في نهاية الأسبوع
اضبط المنبّه على الساعة نفسها يوميًا، كل يوم وأي يوم، حتى في الإجازات، فجسمك يعمل وفق ساعة داخلية تُنظّم النوم واليقظة والطاقة ولا تُفرق بين يوم عملٍ وإجازة. عندما تغير موعد نومك يتغير موعد استيقاظك، ومن ثم تُربك هذه الساعة فتتدهور جودة النوم ويهبط مستوى النشاط نهارًا، كمن يسهر في نهاية الأسبوع فيخرّب أسبوعه الجديد كليًا!
يشير الباحثون إلى أن الحفاظ على جدول نوم منتظم وثابت يساعدك على تنظيم اليوم كاملًا، فنم من 7-9 ساعات يوميًا، في مواعيد ثابتة، بلا أعذار ولا حرمان، وسترى الفرق خلال أيام معدودة.
2. كن واعيًا بأفعالك وقت الاستيقاظ
تكررت هذه النصيحة من الخبراء: قبل أن تُمسك هاتفك -حتى لو كنت ستتفقد بريدك الإلكتروني فقط- امنح نفسك ربع ساعة فقط واعلم أن هذه "الربع ساعة" قد تغير مسار يومك بأكمله.
مارس التأمل، تنفس بعمق، خذ دشًا باردًا، اشكر الله على نعمه، أنت تعرف ما يجب فعله جيدًا، فقط ابتعد عن الهاتف. إذا واظبت على هذه الممارسات البسيطة ستفعل ما يُعرف بـ "الجهاز العصبي اللاودي Parasympathetic" المسؤول عن التهدئة واستعادة التوزان، وكأنك تعيد تهيئة نفسك ببساطة.
3. اشرب الماء وتناول فطورك
بعد ساعات من النوم، يكون الجسم بحاجة لأن يعوض سوائله المفقودة؛ رطّب جسدك لتنشط دورتك الدموية ووظائف الدماغ ثم اذهب لتناول فطورك. حاول أن يكون الفطور متوازنًا يحتوي على البروتينات والكربوهيدرات المعقدة، ولا بأس من بعض الدهون الصحية. بيض مع خبز حبوب كاملة أو زبادي مع شوفان ستؤدي المهمة.
الهدف من هذا الفطور تثبيت مستوى السكر في الدم، لأنه عندما ينخفض فجأة قد تشعر بتوتر أو رجفة، وهذه أعراض تُفسَّر كقلق.
وبالنسبة للقهوة تحديدًا -بما أن كثيرين يحبون احتساءها فور الاستيقاظ- فهي ليست عدوًا، لكنها قد تحفز القلق لدى بعض الأشخاص الحساسين لها، فإذا شعرت بزيادة في معدل ضربات القلب أو توترت عمومًا، فجرب تقليل الكافيين أو تأخير تناوله، أو استشر طبيبًا.
4. تحرك
ربع ساعة أخرى فقط قد تقلل من التوتر بشكل ملحوظ. تحرك ببطء وافتح صدرك ومُد عضلاتك لترسل إشارة للجسم بأن يتروى ويبدأ اليوم بهدوء. ننصحك أيضًا بأن تتعرض للشمس حتى تضبط الساعة الداخلية (البيولوجية) التي تحدثنا عنها، ولا بأس من الذهاب للصالة الرياضية بكل تأكيد.
اقرأ أيضًا: كيف يحمي النشاط البدني جسمك من التوتر التراكمي؟ نتائج دراسة حديثة تجيب
رياضات تعزز التركيز
وعلى سيرة الصالة الرياضية، هناك العديد من التمارين المُثبت فاعليتها الإيجابية على تركيزك وصحتك الإدراكية، مثل:
1. التمارين الهوائية (الكارديو Cardio)
تمارين مثل المشي السريع، أو الجري، أو ركوب الدراجة، أو السباحة تزيد من تدفق الدم إلى الدماغ وتدعم التركيز واليقظة والإدراك العام عند ممارستها يوميًا، حتى لو لدقائق.
تمارين القوة ورفع الأثقال
تساعد تمارين المقاومة أو تمارين وزن الجسم على تحسين وصول الدم والأكسجين للمناطق الدماغية المسؤولة عن الوظائف التنفيذية والتفكير، ويمكن أن تتجاوز ذلك إلى تنظيم الطاقة العصبية.
2. اليوغا
هناك أدلة واضحة تشير لفوائد اليوغا على تحسين القدرات المعرفية، بما في ذلك الانتباه. في دراسة حديثة أُجريت لمدة 12 أسبوعًا على الأطفال، حسنت اليوغا الأداء في اختبارات الانتباه وكانت النتائج أفضل مقارنةً بمجموعة لم تمارس أو مارست نشاطًا بدنيًا عاديًا.
3. المشي
أصبح المشي لمجرد المشي مملًا وصعبًا هذه الأيام، مثله مثل الكثير من الأنشطة المفيدة، وذلك رغم أنه ينعكس مباشرةً على صحة القلب والدماغ حتى النوم.
المشي المنتظم لمدة 30 دقيقة يوميًا يخفض احتمالات الإصابة بأمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، والسكتة الدماغية، والسكري، وأمراض الرئة مثل الانسداد الرئوي المزمن.
الدراسات تشير إلى أن المشي نحو 3800 خطوة يوميًا -أي ما يقارب 38 دقيقة فقط بسرعة معتدلة- قد يقلل خطر الإصابة بالخرف بنسبة 25%.
كذلك أظهرت دراسة على عينة من الشباب أن المشي 30 دقيقة يوميًا خفض خطر الاكتئاب بنسبة 25%. والإحصائيات كثيرة، والهدف منها كلها أن تمشي.
إذا وصلت إلى هنا، فدعنا نذكرك بأن هذا التقرير ليس دليلًا رياضيًا ولا خطة لبداية العام، لكن بحسب دراسات فإن التعامل مع الأخبار السلبية في أوقات الحروب والأزمات ليس سهلًا، والأمر يتطلب عقليةً فولاذية، والعقلية الفولاذية لا تتشكل إلّا بعادات مثل التي ذكرناها.
