المشروم تحت المجهر: هل يرفع المزاج ويقهر الاكتئاب والقلق؟
لطالما استُخدِم المشروم "الفطر" منذ آلاف السنين في تحسين الصحة وتقوية المناعة، إلا أن الأبحاث الحديثة تواترت حول تأثيره في الصحة النفسية، سواء كان المشروم الطبي أو المشروم السحري.
فقد لحظت دراسات العلاقة بين تناول المشروم الطبي وانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب، فيما أشارت دراسات أخرى إلى دور المشروم السحري في تخفيف القلق.
ولكن هل المشروم فعّال حقًا في علاج المشكلات النفسية كالاكتئاب والقلق؟ هذا ما نتناوله في السطور الآتية بالتفصيل.
الفرق بين المشروم الطبي والمشروم المهلوس
المشروم أو الفطر الطبي هو المعروف بفوائده الصحية، مثل الريشي وعرف الأسد، وقد استُخدم منذ آلاف السنين لتقوية المناعة وتحسين الهضم وحتى مكافحة السرطان. ويحتوي هذا النوع من المشروم على مركبات نشطة تجعله مفيدًا.
أمّا المشروم المهلوس (السحري)، فيحتوي على مادة تُسمّى "السيلوسيبين"، والتي تُسبّب تأثيرات مهلوسة لدى من يتناولها، ويعود تاريخ استخدامه أيضًا إلى آلاف السنين، ولكن استخدام هذا المشروم لا يخلو من مخاطر، فقد تختلف الآثار الجانبية من شخص لآخر، ولكنها تشمل عمومًا الهلوسة السمعية والبصرية.
ما هو السيلوسيبين وكيف يؤثّر في الدماغ؟
هو مادة كيميائية موجودة في ما يُسمّى "المشروم السحري أو الملهوس"، ولا يزال الباحثون يحاولون معرفة كيف يؤثّر السيلوسيبين في الدماغ بالضبط، ولكنّهم يعرفون أنّه يعمل عبر مستقبِلات السيروتونين (هرمون السعادة)، ولكن ربّما ليست هذه هي الطريقة الوحيدة للتأثير.
فقد نظرت دراسة عام 2024 في مجلة "Nature" في أدمغة الأشخاص في جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي بعد تناولهم السيلوسيبين، ولاحظ الباحثون تغيرًا كيبرًا في نشاط الدماغ، وطريقة اتصال أجزاء مختلفة منها، إذ حدث تغيّر واضح في طريقة تواصل خلايا المخ مع بعضها.
وقد كان التغيير الأكثر عمقًا في جزء الدماغ المتحكِّم في الذاكرة وإحساس الشخص بذاته، مما قد يكون له انعكاس على المزاج وبعض المشكلات النفسية، كالاكتئاب والقلق.
المشروم الطبي والاكتئاب
قد يساعد تناول المشروم الطبي على تقليل خطر الإصابة بالاكتئاب، إذ أظهرت دراسة عام 2021 في مجلة "Journal of Affective Disorders" أنّ تناول المشروم يوميًا كان مرتبطًا بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب.
كما أشارت دراسة عام 2025 في مجلة "Molecular Nutrition & Food Research" إلى أنّ أنواعًا معينة من الفطر أو المشروم قد تُخفّف أعراض الاكتئاب من خلال:
- زيادة مستويات السيروتونين والدوبامين، وهي نواقل عصبية في الدماغ، تنظِّم الحالة المزاجية للإنسان.
- تقليل الالتهابات في الدماغ.
- تنظيم محور ما تحت المهاد - الغدة النخامية - الغدة الكظرية، وكذلك مسار التريبتوفان-الكينورينين، مما يساعد الجسم على الاستجابة للتوتر بصورةٍ أفضل.
- تحسين صحة الجهاز الهضمي.
أنواع المشروم الطبي الأكثر فائدة للصحة النفسية
فيما يلي بعض أنواع المشروم الطبي التي تُوجَد بعض الأدلة على فوائدها للصحة النفسية:
1. فطر عرف الأسد
أظهرت دراسة لمدة 28 يومًا، أُجريت على 41 شخصًا بالغًا، أنّ تناول فطر عرف الأسد يوميًا خلال تلك المدة ساعد في تقليل التوتر، وقد نشرت الدراسة عام 2023 في مجلة "Nutrients".
كما دلّت دراسة أخرى عام 2019 في مجلة "Evidence-Based Complementary and Alternative Medicine" على أنّ تناول عرف الأسد لمدة 8 أسابيع أدّى إلى تقليل الاكتئاب والقلق ومشكلات النوم لدى عينة من الأشخاص المصابين بزيادة الوزن أو السمنة.
2. فطر الريشي
يساعد فطر الريشي على تحسين المزاج وزيادة الإحساس بالسعادة، ففي دراسة عام 2024 في مجلة "Integrative Medicine Research"، أُجريت على 1,374 صينيًا بالغًا مصابًا بالسرطان، تحسّنت أعراض الاكتئاب لدى نصف الأشخاص الذين تناولوا فطر الريشي.
كما بيّنت دراسة أخرى عام 2020 في مجلة "Healthcare"، أُجريت على 64 امرأة مصابة بالفيبروماليجيا، زيادة الإحساس بالسعادة بين من تناولوا فطر الريشي لمدة 6 أسابيع. ومع ذلك، لم تكُن هذه النتائج ذات دلالة إحصائية، وهناك حاجة إلى مزيد من البحث لتأكيد هذه النتائج.
هل يساعد المشروم المهلوس على تخفيف القلق؟
ثمّة أبحاث أكثر حول تأثير المشروم على الاكتئاب، مقارنةً بالقلق، ولكن العديد من الدراسات التي أُجريت على الاكتئاب، لاحظت تحسّنًا ثانويًا في أعراض القلق، مثل دراسة عام 2021 في مجلة "JAMA Psychiatry".
كما أُجريت دراسة أخرى عام 2010 في مجلة "Archives of General Psychiatry" على أشخاص مصابين بالسرطان في مراحله النهائية، إذ أدّى السيلوسيبين إلى تحسّن القلق لديهم (إلى جانب الاكتئاب والمزاج عمومًا)، واستمرّ هذا التأثير لمدة 6 أشهر على الأقل بعد العلاج، وفقًا لدراسة أخرى عام 2016 في مجلة "Journal of Psychopharmacology".
يؤيّد ذلك تحليل عُرض عام 2020 في مجلة "Depression & Anxiety"، أظهر أنّ 65% من المصابين بالقلق، عانوا مستويات أقل من القلق بعد العلاج بالسيلوسيبين.
المشروم المهلوس واضطراب ما بعد الصدمة
قد تستمرّ أعراض اضطراب ما بعد الصدمة لعِدّة سنوات بعد التعرّض لصدمةٍ ما، بما يؤثِّر في كل جوانب الحياة تقريبًا، ولكن أظهر استخدام السيلوسيبين نتائج إيجابية لدى المصابين باضطراب ما بعد الصدمة، حسب دراسة عام 2020 في مجلة "International Journal of Neuropsychopharmacology".
ويُعتقد أنّه قد يساعد على علاج أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، بسبب الطريقة التي يتفاعل بها مع الدماغ، فهو يغيّر الشبكات العصبية، لزيادة مشاعر الاتصال والانفتاح، ويغيّر طريقة معالجة الخوف في الدماغ، كما أنّه يقلل النشاط في مركز الخوف في الدماغ (اللوزة) في أثناء الاستجابات العاطفية.
المشروم المهلوس واضطراب الوسواس القهري
ربّما لا تُوجَد أبحاث كافية حول فوائد المشروم أو السيلوسيبين في علاج الوسواس القهري، لكن أظهر بحث عام 2006 في مجلة "Journal of Clinical Psychiatry" أنّ السيلوسيبين ساعد في تقليل أعراض القلق المرتبطة باضطراب الوسواس القهري، ولم تنظر الدراسة في تأثير السيلوسيبين على الوسواس القهري مباشرةً.
هل تناول المشروم له أضرار صحية؟
يُعدّ المشروم الطبي من الأطعمة الآمنة لتناولها، ولكن قد تختلف الآثار الجانبية حسب نوع المشروم الذي تتناوله، فمثلًا تضمّ الآثار الجانبية لفطر الريشي:
- جفاف الفم.
- الإمساك.
- الحكّة.
- الدوخة.
- الغثيان.
- اضطراب المعدة.
- مشكلات النوم.
أمّا المشروم السحري، فقد يُسبّب آثارًا جانبية نفسية في المقام الأول، مثل:
- الارتباك.
- الخوف.
- البارانويا.
- الإثارة.
كما يمكن أن يؤدي إلى أعراض جسدية موقتة، وهي رد فعل جسدي للهلوسة، وليست تأثيرًا مباشرًا للسيلوسيبين على الجسم، وذلك مثل:
- الشعور بالضعف.
- الدوار.
- ارتعاش العضلات.
- جفاف الفم.
- الغثيان والقيء.
- زيادة معدل ضربات القلب.
- التعرّق.
هل هناك كمية آمنة من المشروم يوميًا؟
لا يُوصَى بتناول السيلوسيبين أو المشروم السحري إلّا لأغراضٍ طبية وتحت إشراف طبيب مُختص، بجُرعات دقيقة، خاصةً أنّه قد يسبّب آثارًا جانبية نفسية، ولا يزال بحاجة إلى دراساتٍ أكبر، كما أنّه قد يسبّب إدمانًا في حالات نادرة.
أمّا المشروم الطبي فهو آمن لناحية تناوله، وربّما لا تُوجَد جرعات مُوصَى بها يوميًا في العموم، ويُنصَح باستشارة الطبيب أو الصيدلي أو اختصاصي التغذية لمعرفة الكمية المناسبة لتناولها يوميًا.
