سر ذاكرة الجهاز المناعي.. كيف تحمينا حقنة لقاح واحدة طوال العمر؟
كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة "Friedrich-Alexander-Universität Erlangen-Nürnberg" ومستشفى إرلانجن الجامعي بألمانيا، عن السبب الذي يجعل الجهاز المناعي للإنسان يحتفظ بذاكرة التطعيم لعدة عقود أو حتى مدى الحياة.
وكشفت النتائج التي نشرتها دورية نيتشر إيمونولوجي، أن خلايا الذاكرة في الجهاز المناعي تلجأ إلى استراتيجية ذكية؛ إذ تدخل في حالة من السكون أو "وضع الاستعداد" في وقت مبكر جداً عقب التطعيم، وهو ما يمنحها القدرة على البقاء حية ومستعدة لمواجهة الأوبئة لعدة عقود.
واعتمد الفريق البحثي على لقاح "الحمى الصفراء" كنموذج للدراسة، كونه أحد أفضل الأمثلة على اللقاحات الفعالة؛ حيث يحتاج معظم الأشخاص إلى حقنة واحدة فقط لتوفير حماية استثنائية تدوم مدى الحياة، مما جعل هذا اللقاح "خريطة طريق" مثالية لفهم كيف يبني الجسم ذاكرة مناعية مستقرة لا تضعف بمرور الزمن.
استراتيجية الخلايا المناعة في مواجهة الفيروسات
ركز الباحثون في دراستهم على "الخلايا اللمفاوية التائية"، وهي خلايا متخصصة بمحاربة أنواع معينة من الميكروبات.
وأوضح البروفيسور الدكتور كيليان شوبر، أستاذ مناعة الخلايا التائية وقائد الفريق، أنه بمجرد أخذ اللقاح، تتكاثر هذه الخلايا لتصنع جيشاً دفاعياً ضخماً يستهدف الخلايا المصابة، وبينما يموت معظم هذا الجيش بعد القضاء على الفيروس، يتبقى عدد قليل من "خلايا الذاكرة" التي تظل تراقب الجسم لسنوات طويلة، وفي حال تعرض الجسم لعدوى جديدة، تستيقظ هذه الخلايا وتتكاثر بسرعة البرق لتقضي على المرض.
آلية الجهاز المناعي للبقاء طوال الحياة
وفي محاولة لفك لغز بقاء هذه الخلايا لسنوات طويلة، راقب الباحثون النشاط الحيوي للخلايا التائية المسؤولة عن مكافحة الحمى الصفراء، لتكتشف الباحثة سينا فريشهولز، أن الخلايا التي تتحول إلى "ذاكرة مناعية" تبدأ مبكراً بتقليل استهلاكها للأكسجين والغذاء، وتدخل في حالة تشبه "وضع توفير الطاقة"، وهو ما يضمن استمرارها حية لعشرات السنين دون استنزاف مخزونها الحيوي.
وأكدت الدراسة أن هذه النتائج تنطبق أيضاً على لقاحات "كوفيد-19" ونماذج عدوى بكتيرية أخرى، مما يثبت أن السكون الحيوي هو قاعدة أساسية في عمل الجهاز المناعي.
واختتم البروفيسور شوبر بأن هذا الاكتشاف يغير الفهم السائد حول المناعة الدائمة، حيث تبين أن القوة لا تكمن في النشاط المستمر بل في القدرة على التباطؤ في الوقت المناسب، وهو ما سيساعد في ابتكار لقاحات وعلاجات مناعية أكثر تطوراً.
