القصة غير الكاملة لقضية إبستين.. أسماء وازنة وملف مفتوح
في مطلع 2024، رُفعت السرية عن مجموعة كبيرة من وثائق جيفري إبستين، وذلك على خلفية دعوى تشهير أقامتها الضحية "فرجينيا جوفري" ضد شريكة إبستين المقربة "غيلين ماكسويل"، التي اتُهمت بأنها ساعدته على استغلالها جنسيًا عندما كانت قاصرًا.
لم تَجُر هذه الدعوى وبالًا على غيلين، وبالطبع إبستين الذي انتحر في 2019، وحدهما، بل على أشهر وأبرز الشخصيات في التاريخ المعاصر؛ الذين لن نبالغ إذا قلنا إنهم يحكمون، أو كانوا يحكمون، العالم!
دونالد ترامب
لعل أكثر هذه الأسماء شهرة وإثارة للجدل هو الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، الذي ذُكر في الدفعة الأخيرة -والضخمة- من الوثائق أكثر من 1000 مرة!
بل إن صحيفة نيويورك تايمز تدعي أنها وجدت أكثر من 5300 ملف تحتوي على إشارات إليه، وما يزيد على 38 ألف ذكر لاسمه أو لأسماء أقاربه، وإن كانت معظم هذه الإشارات لا تتضمن تواصلًا مباشرًا بينه وبين إبستين.
السياق الذي ذُكر فيه ترامب هو سياق اجتماعي في المقام الأول، وعلى الرغم من وجود بعض الشبهات التي أُثيرت هنا وهناك، فإن وزارة العدل الأمريكية أكدت أنها بحثت في الاتهامات المتعلقة بسوء السلوك الجنسي التي وردت في الوثائق ولم تجد معلومات يُعتَد بها ضد ترامب.
وكان ترامب قد وصف إبستين بـ "الرجل الرائع Terrific guy"، قبل أن يعود في 2019 -العام الذي انتحر فيه- ويقول إنه لم يتحدث معه منذ نحو 15 عامًا مؤكدًا أن العلاقة بينهما انتهت منذ زمن.
بيل كلينتون
لم يكن ترامب الرئيس الأمريكي الوحيد المذكور في الملفات، حيث ذُكر بيل كلينتون أيضًا، لكن الجدل المثار حوله ليس شيئًا مقارنةً بترامب.
تُظهر الوثائق أن اسم بيل كلينتون ورد في سجلات طيران طائرة إبستين الخاصة، حيث تشير البيانات إلى أنه قام بـ 4 رحلات دولية بين عامي 2002 و2003.
لكن فريق كلينتون أوضح أن تلك الرحلات كانت مرتبطة بأعمال خيرية تخص مؤسسة كلينتون، وأنها لم تشمل زيارة الجزيرة المشؤومة أو المشاركة في أي أنشطة مشبوهة. ودفاعًا عن الصور القديمة داخل ممتلكات إبستين، مثل صورة حوض الاستحمام، قال الفريق إنها "لقطات اجتماعية تعود لعقود سابقة".
ووافق بيل وهيلاري كلينتون -التي صرحت بعدم لقاء إبستين أو التحدث معه أصلًا- على الإدلاء بشهادتهما أمام تحقيق يجريه الكونغرس حول القضية.
الأمير أندرو
صاحب واحدة من أكبر الفضائح في الملفات، إذ ظهر في الدفعة الأخيرة وهو يضع يده على بطن سيدة مستلقية على الأرض. المرأة كانت بكامل ملابسها ووجها محجوب، ولا توضح الوثائق أي شيء آخر يشرح السياق، ولهذا الصورة جدلية أكثر منها دليلًا قضائيًا.
ومن الأشياء المثيرة للجدل أيضًا رسالة بريد إلكتروني تعود لـ 2010؛ عرض فيها إبستين على حساب يُدعى "The Duke" (يُعتَقد أنه أندرو) ترتيب عشاء مع امرأة روسية (26 عامًا) وُصفت بأنها "جميلة وموثوقة". الحساب رد بالموافقة وطلب معلومات إضافية.
وكشفت المستندات أيضًا أن السلطات الأمريكية قدمت طلبًا رسميًا في 2020 لاستجواب أندرو، باعتباره قد يكون شاهدًا أو لديه معلومات عن تجنيد غيلين ماكسويل فتيات لصالح إبستين.
إيهود باراك
ومن الشخصيات السياسية المذكورة في ملفات إبستين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك (1999-2001)، حيث ذُكر وزوجته بشكل متكرر داخل المراسلات والسجلات.
تذكر الوثائق أن باراك ذُكر أكثر من مرة وكان على "اتصالات"، و"زيارات"، و"اجتماعات"، و"مكالمات" متكررة مع إبستين، ما يعني أن العلاقة بينهما كانت شخصية على الأغلب.
أبرز الرسائل بين الطرفين تضمنت ترتيبات لزيارة منزل إبستين في نيويورك عام 2017، أي قبل عامين فقط من سجنه وانتحاره، وبعد سنوات من إدانته الأولى في 2008 بتهم جنسية.
الوثائق أشارت أيضًا إلى أن باراك سافر على متن الطائرة الخاصة بإبستين أكثر من مرة خلال رحلاته إلى أمريكا، وهو ما أثار انتقادات إعلامية وسياسية لأن استخدام طائرة رجل مُدان جنائيًا يطرح العديد من التساؤلات حول أسباب استمرار العلاقة.
باراك اعترف بنفسه بزيارة إبستين عدة مرات خلال وجوده في نيويورك، بل باستخدام طائرته الخاصة، لكنه أكد أنه لم يشاهد أي سلوك غير لائق وأنكر معرفته بأي نشاط جنائي.
سيرجي برين
نبتعد عن الشخصيات السياسية ونتحدث عن المؤسس المشارك لجوجل سيرجي برين. إذ تُظهر رسائل بريد إلكتروني أن برين كان على تواصل مع إبستين وشريكته غيلين في أوائل الألفية، أي قبل الإدانة بسنوات.
في عام 2003، دعت غيلين برين لحضور عرض خاص لفيلم "Down with Love" في نيويورك، ثم عادت ودعته إلى عشاءٍ وُصف بأنه "هادئ وعفوي" في منزل إبستين. رد برين باقتراح اصطحاب المدير التنفيذي لجوجل آنذاك إيريك شميت، وهو ما يوحي بأن الدعوة لم تكن شخصية أو سرية.
إيلون ماسك
لكن الاسم الأشهر كان إيلون ماسك، الذي تجاوزت ثروته وقتها (في 2013) 6.5 مليار دولار.
في الدفعة الأخيرة من الوثائق، ورد اسم ماسك أكثر من مرة في المراسلات، خصوصًا ضمن رسائل بريد إلكتروني تعود إلى عامي 2012 و2013. لكن الرسائل لم تُشر إلى أي شيء صريح يضع ماسك في قفص الاتهام، فقط دعوات لزيارة الجزيرة.
لاحقًا، أوضح ماسك في مناسبات مختلفة أنه رفض دعوات إبستين، وفي منشور له عام 2025، قال إن إبستين حاول إقناعه بزيارة الجزيرة، لكنه رفض بشكل قاطع، كما لم يصدر تعليق رسمي من شركاته تسلا وسبيس إكس على ما ورد في الوثائق.
مايكل جاكسون
ومن التقنية ننتقل إلى عالم الفن، حيث ظهرت صورة لملك البوب مايكل جاكسون وهو يقف بجانب إبستين أمام لوحة فنية كبيرة داخل مكان يبدو فخمًا. كما نُشرت صورة أخرى تجمع جاكسون بكلينتون والمغنية ديانا روس في لقطة جماعية.
لم تُحدد وزارة العدل تاريخ الصورة أو مكان التقاطها، ولا يوجد أي شرح للسياق الذي جمع هذه الشخصيات معًا، لكن يُعتقد أنها التُقطت خلال حفل خيري وأن الأطفال الظاهرين فيها هم أبناء جاكسون وديانا، ولا علاقة لها بإبستين من الأساس.
أما عن الصورة الشخصية مع إبستين، فلا يوجد لها سياق مؤكد.
كيفن سبيسي
تُظهر إحدى صور الوثائق الممثل كيفن سبيسي (بطل House of Cards وSe7en وغيرهما) وهو يقف إلى جانب غيلين ماكسويل وبيل كلينتون وآخرين داخل المقر التاريخي في لندن Churchill War Rooms، وهو المقر السري الذي كانت تستخدمه الحكومة البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية.
الصورة تبدو زيارة رسمية أو ثقافية للمكان، وقد التُقطت عام 2002 وفقًا للمعلومات المتداولة، عندما زار كلينتون المملكة المتحدة للمشاركة في مؤتمر حزب العمال البريطاني. في تلك الفترة كان إبستين وغيلين يحضران فعاليات اجتماعية وسياسية عديدة، وكانا يتنقلان ضمن دوائر تضم سياسيين وفنانين وشخصيات عامة، فالصورة لا تتضمن أي اتهام أو إشارة إلى أن سبيسي كان متورطًا.
ليوناردو دي كابريو
من الأسماء التي أثار وجودها في ملفات إبستين صدمة كبيرة. اسم ليوناردو دي كابريو داخل رسالة بريد إلكتروني تعود لعام 2009. أرسل هذه الرسالة السياسي والدبلوماسي البريطاني بيتر ميندلسون إلى إبستين، وكان يناقش فيها فرصًا دعائية وتسويقية محتملة خارج الولايات المتحدة.
في الرسالة، سأل ميندلسون إبستين عما إذا كان يعرف شركات في الهند أو اليابان أو الصين قد ترغب في الحصول على تأييد من دي كابريو، مشيرًا إلى أن الممثل يبحث عن صفقات تجارية عالمية، ما يعني أن الاسم ورد في سياق عمل الممثل الشهير فحسب.
وبخلاف العديد من الشخصيات الأخرى، لا تجمع دي كابريو صورة بإبستين ولا توجد رسائل مباشرة بينهما، بل على العكس، في شهادة قضائية سابقة، قالت شاهدة ضد إبستين إنها لم تلتق دي كابريو مطلقًا، موضحةً أن إبستين كان يدعي أحيانًا معرفته بمشاهير حتى لو لم يكن هناك تواصل حقيقي.
بيل جيتس
يُعرف بيل جيتس بأعماله الخيرية، ويكاد يكون أشهر رواد الأعمال من هذه الناحية. لكن الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية كشفت رسائل بريد إلكتروني -تعود إلى 2013- يدعي فيها إبستين مزاعم شخصية وخُلقية ضد بيل جيتس!
الشاهد أن هذه الرسائل ليست بين الرجلين، وإنما ملاحظات دونها إبستين ذاتيًا لسببٍ ما.
في هذه الملاحظات، زعم إبستين أن جيتس انخرط في علاقات خارج إطار الزواج، وادعى أنه ساعده في الحصول على مخدرات أو ترتيب لقاءات مع نساء! لكن مرة أخرى، هذه مجرد ادعاءات دون أي دليل.
وقد رد متحدث باسم جيتس على الاتهامات واصفًا إياها بـ "السخيفة والزائفة بالكامل"، قائلًا إن الوثائق تُظهر فقط إحباط إبستين بعد فشل محاولاته الحفاظ على علاقة أو شراكة مستمرة مع جيتس.
قد يكون هذا ما حصل فعلًا، خصوصًا أن الرسائل كُتبت بعد أن فشلت محاولة إبستين للتوسط في شراكة مالية بين مؤسسة غيتس وأحد البنوك الكبرى، في صفقة كان يأمل أن تُدر عليه أرباحًا كبيرة.
يُذكر أن جيتس التقى إبستين حقًا، وكان ذلك لعدة مرات في عشاءات أو لقاءات عمل بعد 2011. وكان جيتس قد وصف هذه العلاقة لاحقًا بـ "الخطأ الكبير"، كما حاول التقليل من حجم التواصل، مُشيرًا إلى أن هذه العلاقة كانت أحد أسباب التوتر بينه وبين زوجته.
ستيفن هوكينغ
نعم، حتى الفيزيائي الشهير -القعيد العبقري- ستيفن هوكينغ لم يسلم من إبستين، لكن كيف ذُكر؟
ورد اسم الفيزيائي البريطاني ضمن رسالة بريد إلكتروني تعود إلى عام 2015، كتبها إبستين إلى غيلين ماكسويل طالبًا منها عرض مكافأة مالية لأي شخص من معارف أو أصدقاء فرجينيا جوفري -الشاهدة ضده- لدحض مزاعمها التي تقول إن هوكينغ شارك في "حفلة جنسية لقاصرات"!
حتى الآن، لا توجد أي اتهامات جنائية أو تحقيقات أو شهادات قانونية تربط الراحل هوكينغ بأي سلوك متعلق بجرائم إبستين، لكن فكرة الشهادة ضده من قِبل إحدى ضحايا إبستين تدعو للتأمل.
جدير بالذكر أن ثروة جيفري إبستين كانت تقدر بنحو 600 مليون دولار تقريبًا، والمُطلع على الملفات سيعرف أنه التقى عشرات وربما مئات الشخصيات المهمة التي لا نعرف كيف تقرّب منهم. ما ذكرناه لم يكن سوى غيض من فيض، وبعض الشخصيات مثل الفيزيائي القعيد ستيفن هوكينج تدعونا للتساؤل: كيف استطاع رجل واحد أن يصل إلى كل هؤلاء أصلًا؟
