الكائن الاجتماعي
محمد النغيمش*
مازال مشهد نجم هوليوود توم هانكس راسخاً في ذهني، حينما مثل بأداء رائع "وحشة الوحدة" التي تكاد تخنق الإنسان. وذلك في فيلمه الشهير "كاست أواي" الذي سقطت به الطائرة، في جزيرة نائية، وكان هو الناجي الوحيد منها. فتعاقب عليه الليل والنهار، من دون بصيص أمل بأن يراه أحد أو ينقذه. فطفق يبحث عن مستلزمات الحياة، فنجح، ولم يتبقّ له إلا حاجة الأنس بالحديث إلى الآخرين. فخطر على باله جلب ثمرة جوز الهند ورسم عليها وجهاً، وبدأ يكلمه في مشهد معبّر قلّ نظيره، لأنه كان نابعاً من صدق المشاعر وواقعية الموقف، حينما يضطر المرء للانعزال، فيدرك أهمية حاجته إلى الانتماء إلى "جماعة متحابّة"، كما قال أبراهام مازلو في هرم أولوياته.
تذكرت تلك القصة وأنا أشاهد فيلماً وثائقياً عن الحبس الانفرادي، بثّته قناة "ناشيونال جيوغرافيك"، وصف فيه سجين أسلوب الحبس الانفرادي بأنه "أقصى عقوبة تنزل بالإنسان، ما اضطر أحد السجناء إلى التحدث إلى كرة طائرة، ليجلب إلى نفسه شيئاً من السرور".
واكتشف العلماء أيضاً أن الوحدة تحرك الجزء المسؤول عن الألم في الدماغ. وذكر أحدهم كذلك، أنهم اكتشفوا بأن "العزلة أو الوحدة تجعل الإنسان أقل قدرة على التحكم في أعصابه"، وأن "ثلثي سجناء كولورادو يعودون إلى السجن في غضون ثلاث سنوات من خروجهم منه، ويمثل السجن الانفرادي مشكلة أساسية"، حسب قولهم.
وهذا كله يشير إلى أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه. وأن انعزاله وإن كان مطلوباً في سويعات من يومه، ليخطط، ويتأمل ويشحذه همته، فإن انعزاله الطويل يزعجه. وهذا ما جعل السجانين، وفق الفيلم، يكتشفون أن حالة السجناء لا تتدهور حينما يحبسون مع جماعات، مقارنة بالسجن الانفرادي. كيف لا وقد جبل الإنسان على حب الكلام والتعبير عن انفعالاته! فكلما فضفض الإنسان أكثر، دبّت في أوصاله مشاعر الراحة والسعادة والطمأنينة.
لا يعقل تخيّل الإنسان، كائناً اجتماعياً، من دون تخيّله وهو يتحدث. غير أن المفارقة أننا نقضي سنوات عدة في تعليم الإنسان كيف يتحدث، ثم نمضي وقتاً أطول لنعلمه كيف ينصت.
