لستَ وحدك حبيبي
قالت لي ابنتي ذات يوم، وكان عمرها أقل من 4 سنوات، تحبني أم تحب إخوتي الكبار؟ الحلول السهلة طبعًا حاضرة، قلت: بالتأكيد أنتِ، فيما أغمز بعيني لشقيقيها وهما يضحكان يدركان الحقيقة. بعدها بأيام نسي الكبيران القصة، لكن الصغيرة لا تنسى. أضحت كل يوم تذكرني: من تحب أنا أم هما؟ وأبحث عن الأسهل: أنتِ ياصغيرتي. أغيب عنها وأعود وتردد الأسطوانة نفسها. لم تكتفِ بذلك وإنما صعدت من سقفها، سألت: هل تحب شقيقيَّ؟ فأجيب، خوفًا منها، قليلاً، فتغضب عليَّ، ثم لا ألبث أن أجيب بما يعجبها، تبتسم بانتصارها أما أخواها فيضحكان.
كلما رأت أحدهما يجلس بجانبي أو يقبلني، أبعدته عني بغضب والتفتت قائلة: تذكر أنت لا تحبهما! استمرت الصغيرة في السيناريو الذي رسمتُه أنا لها، والذي تعايش المنزل الصغير عليه. حتى جاء اليوم الذي صعَّدت فيه الأمر وتعدى الخط الأحمر، كعادة الأقوياء في استغلال الضعفاء. باغتتني يومًا أمام والدتها: هل تحب أمي؟ قلت وأنا أخشى ردة فعلها: قليلاً يا صغيرتي. اشتاطت الصغيرة غضبًا، وصرخت: أبتي.. هل نسيت؟ أنت لا تحب أحدًا في هذه الدنيا إلا أنا فقط. بحثت عن الأسهل وأعطيتها ما تريد. المهم أن الطفلة (جود) كسرت كل الخطوط الحمراء، تمشي أمام أسرتنا الصغيرة الخيلاء، تتغنى بأنها الوحيدة التي تسكن قلب والدها بينما هو لا يحبهم.
دائمًا نسعى خلف الحلول السهلة في التعامل مع أطفالنا. شراء لعبة صغيرة أسهل بكثير من إقناعهم بعدم جدواها. وإسكاتهم بنَعم التي يريدونها، توفر وقتًا أطول من شرح الحقيقة المكلف بشرحها الوالدان. أحيانًا نظرة غضب سريعة تفعل مفعول السحر في قمع كنز الأسئلة الذي لا يهدأ بداخلهم. نغفل أن أبناءنا يحتاجون منا إلى ما هو أهم من المال والكماليات، وقول نعم في كل الأوقات. يحتاجون إلى الوقت الذي لدينا الكثير منه، و لا نعطيهم منه إلا النزر اليسير. نصف ساعة من اللعب مع الأطفال ستكون أكثر جدوى من تقديم هاتف جوال نشتري فيه بُعدَهم عنَّا. الأسهل بالتأكيد هو إشغالهم بما يكفي ليبقوا في عالمهم ولا يقتحموا عالمنا. دائمًا أسأل نفسي : هل الأهم أن نقضي أيامنا وليالينا في توفير احتياجات أبنائنا المعيشية، أم قضاء أكبر قدر من الوقت معهم هو الأجدى والأنفع لهم؟ أعلم أن الإجابة الصحيحة والمنطقية هي الثانية، لكن غالبيتنا، وأنا أولهم، نفعل الأولى.
لست متخصصًا في التربية ومن أسوأ الناس في التنظير، بيد أني كنت طفلاً وصرت أبًا، ولا جدال أن دقائق يقضيها والدي يرحمه الله معي، أجمل من كل ألعاب الدنيا، عندما لم تكن هناك هواتف جوالة تُهدى، أما نحن الآن فنختار الأسهل في تربية الأبناء وليس الأصح. من حيث لا نشعر تأخذنا انشغالاتنا عن أبنائنا ظنًّا أننا نعمل من أجلهم، فإذا كبروا غدًا وذهب كلٌّ في طريقه، ندمنا كما ندم غيرنا: ليتنا لم نُفوِّت تلك اللحظات الجميلة بقربهم. ليتنا لم نفضل انشغالاتنا عنهم. قالتها الست أم كلثوم: قل للزمان ارجع يا زمان.
ولأني، مثلكم، أبحث عن الحلول السهلة في تربية أبنائي، لم أشرح لابنتي قط كيف أنها ليست الوحيدة التي أحب، لم أقضِ الوقت الكافي معها لأحاول مرة واثنتين ومائة، حتى تتفهم أن حبَّ شقيقيها لا يعني ابتعادي عنها. لو قضيت وقتًا طويلاً معها لكان ذلك أجدى من مجرد كلمات سينكشف زيفها يومًا ما.
ستكبر الطفلة "جود" قريبًا، وتصحو من حلم جميل صنعه لها والدها. ستكتشف أنه لم يبذل جهدًا كافيًا ليقول لها: أحبك كثيرًا وأيضًا أحب أخويك.
عذرًا صغيرتي، أفرحتك قليلاً، وخدعتك طويلاً. بحثت عن الأسهل ولم أعمل على الأثمن. صدق شاعرنا الكبير خالد الفيصل وهو يقول:
" يا مدور الهين ترى الكايد أغلى".
رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط و مجلة الرجل
