تبرير الخطأ أم خطأ التبرير
محمد النغيمش
يُروى أن إمرأة اعتادت أن تشتري حاجياتها من صاحب بقالة اشتهر بجودة بضاعته ودقته المتناهية في تسليم الطلبات في موعدها. ولما طلبت المرأة منه إيصال أغراضها في يوم حفل كانت تقيمه لضيوفها غاب البائع ولم يحضر. فأسقط في يدها وغضبت منه أيما غضب إذ كان لا يرد على اتصالاتها. وفي اليوم التالي تمكنت من الاتصال به فصبت عليه جام غضبها. فرد عليها بصوت متهدج: أنا آسف جدا لأنني لم استطع تلبية طلبك فمن سوء حظي أن يوم أمس كان موعد دفن والدتي العزيزة. فصُدمت المرأة فاعتذرت منه ثم عاهدت نفسها ألا تنتقد أحدا أو توبخه حتى تعرف دوافع سلوكه.
هذه القصة الرمزية تتكرر في حياتنا بصور مختلفة لكن مغزاها واحد وهو أن ليس كل عذر أقبح من ذنب وأنه ليس من الحكمة الافتراض أن كل المبررات التي يسوقها الناس واهية بالضرورة.
فحينما يأتيك موظف متغيب أو قدم عملا غير متقن يكون السؤال عن المبررات الخطوة الأولى التي تسبق النقد أو الهجوم أو التوبيخ. وهذا هو السلوك الطبيعي الذي يحفظ ما وجهنا قبل أي مواجهة متسرعة.
و"المبررات" قد تكون وجيهة أو غير مقبولة، ولذا فإن المبرر في اللغة هو "الموقف الذي يُمْكِنُ تَبْرِيرُهُ وَتَعْلِيلُهُ".
وما يؤلم حقيقة أن هناك من يبني جدار من الخصومة بلا مبرر، فيشهر سهام النقد الحادة في وجه الآخرين قبل التأكد أو التماس العذر لهم.
غير أن هناك من يتذرع بأعذار واهية وينسى أن ليست كل المبررات تعفيه من المسؤولية. فالمسؤول عن وزارة أو هيئة أو شركة سيبقى مسؤولا عما يجري فيها حتى وإن فوض من فوض. ولولا قيود المسؤولية لفلت الأمور من حولنا. وقد رأينا في هذا الحياة من يلقى المهام الإدارية على مرؤوسه بحجة إجازة دبرها بسرعة البرق ليهرب من مواجهة محتومة أو قرار إداري مصيري. هؤلاء لابد أن يكون المسؤولين لهم بالمرصاد لأنهم لا يستطيعون تحمل زمام المسؤولية، يظنون أن المنصب مجرد ثوب يرتدونه حينما يكون بمقاسهم نسيان أو متناسين أن المبررات لا تشفع لهم التنصل من المسؤولية.
ولا يلام المسؤول حينما يرفض قبول مبررات التقصير من أفراد اعتادوا تكرار أخطائهم وتقاعسهم وعدم مبالاتهم. بل ومنهم من "يتعمد" عدم إنجاز أعماله على الوجه المطلوب إما لرغبة دفينة في الانتقام من مسؤوله أو عمله الذي يظن أنه لا يقدره وينسى أن مبررات التقصير لا تشفع له طالما أنه قبل بالاستمرار في العمل. فقبول الخطأ هنا يصبح بحد ذاته خطأ لا يجب تبريره.
وحتى نكون منصفين، هناك جانب خفي سيكولوجي (نفسي) يقف خلف ميلنا نحو المبررات فهي نوع من أنواع الحيل العقلية التي يطلقها الدماغ للتهرب من المسؤولية أو للتخفيف من وطأة النقد لاسيما في حالة عدم تقديمنا للعمل على نحو المطلوب.
أما من أطرف ما قرأت عن الأعذار والمبررات هو أن: العذر يُقبل في كل شيْء إلا إذا تحِركْت نقِطتهُ الى اليمْين قليلاً حيَنها لا مجالْ للأعذار!
