هل تعرضت يوماً للفتنة؟
سلمان الدوسري.
.. وتأتي القصة من جمهورية أفلاطون. يروي تلميذ اسمه غلوكن قصة الراعي جيجيس الذي اكتشف مغارة سرية، في داخلها جثة تلبس خاتماً، وعندما لبس الراعي الخاتم، وجد نفسه مختفياً لايُرى. ولما لم يكن أحد يراقب سلوكه، راح جيجيس يقوم بأعمال فظيعة، فأغوى الملكة، وقتل الملك، وهكذا وضعت قصة جيجيس سؤالاً أخلاقياً هو: هل يستطيع أي إنسان أن يقاوم إغراء الشرّ إذا عرف أن أعماله لا يمكن أن يشاهدها أحد؟
بالرغم من الأديان السماوية التي يدين بها الناس، فإن القوانين الصارمة هي من ينظم المجتمعات ويديرها، ولا يُعوّل على الأخلاقيات في التعامل بين أفراد هذا المجتمع أوذاك، بل حتى مع هذه القوانين المشدّدة، فإن نزعة الفوضى لا تتوقف، وملايين البشر يمارسون الجريمة تلو الأخرى ماداموا يشعرون أنه لا نظام يردعهم ولا هيبة تمنعهم. كذلك هي السلوكيات الإيجابية لا يفعلها أحد إيماناً واحتساباً إلا ما ندر. فمثلاً الذي يقود السيارة في الرياض نفسُه، تختلف قيادته عندما يكون في المنامة، لترتفع نسبة انضباطه إلى الدرجة القصوى ما أن يذهب إلى شوارع فرانكفورت، ولو أتينا برجل من أقصى قرى بنغلاديش، وتعلم القيادة في شوارع لندن، فإنه بالتأكيد سيقود مثل أهلها، ولو جاء رجل من عاصمة النرويج، ورأينا قيادته في شوارع جدة، الأكيد أنكم لن تتوقعوا أن تكون قيادته كما كان في بلاده. السياق العام دائماً هو من يضبط إيقاع المجتمعات، وهذا السياق مرتبط بشكل أو بآخر بالقوانين والالتزام بها، وليس بأخلاقيات البشر التي لا ضابط منظماً لها.
يقول الراحل غازي القصيبي: لا يدّعِ العصمة من لم يتعرض للفتنة. رحمك الله يا أبا سهيل. ما أكثرهم وما أعلى صوتهم وما أقل نفعهم! لم يفتن يوماً في حياته وينظّر وكأنه ملاك في صورة رجل. لايبدأ بنفسه بل بغيره. يحارب الفساد على وسائل التواصل الاجتماعي، طبعاً يفعل هذا أثناء العمل وعبر جهاز الحاسوب الخاص بعمله. يحاضر عن الوفاء وهو يطعن صديقه الذي فارق المنصب مؤخراً. أذكره قبل سنوات عندما كان يتصدر المجالس بحماسة مشهود لها ضد المنتفعين من المال العام، فلما تولّى قريبه منصباً حكومياً، أصبحت تجارة قريبه وعشرات الملايين التي جناها في فترة سريعة، يراها هذا الخطيب المفوّه من عرق جبينه، سبحان الله! في نهاية اليوم جميعهم يزعمون وصلاً بليلى وليلى لا تقرّ لهم بذاكَ.
سرد لي مسؤول في أحد المصارف الكبرى قصة أحد أجهزة الصراف الآلي، عندما تسبّب خطأ فني جعله يمنح كل من يضع بطاقته البنكية ١٣٠٠ دولار، دون أن يتم سحب المبلغ من حسابه. واستمرّ الجهاز يعطي العملاء الحد الأقصى من السحب اليومي ، بانتظار الشهم البطل الذي سيوقف هذه السرقة "المحترمة"، ويبلغ المصرف. من تتخيلون الشخص الذي كان نزيهاً وتنازل عن المبلغ المجاني وأبلغ المصرف بما حدث؟ إنه الشخص رقم 19. نعم 18 شخصاً لم يصدقوا أن الجهاز أخطأ. لاحظوا لم تظهر هنا الأخلاقيات، لدى الغالبية، بل الظهور الحقيقي كان للطبيعة البشرية بعد أن غاب النظام.
في الحديث القدسي يقول عليه السلام عن السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: "ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله". في العموم الأغلبية العظمى تزعم قدرتها على مواجهة النفس الأمّارة بالسوء، بينما الحقيقة الموجعة أنه لا يمكن لأحد أن يجزم بذلك، إلا بعد أن يستطيع أن يفعلها ويعسف هذه النفس. فمن لم يتعرض يوماً في حياته للفتنة كيف له أن يزعم أنه يستطيع ويستطيع! تماماً كما قال أبو سهيل: لا يدّعِ العصمة من لم يتعرض للفتنة.
