قهوة مع الرئيس
محمد النغيمش*
لفت انتباهي دعوة وجهت إلى صديقي في أحد المصارف الكويتية بعنوان "قهوة مع الرئيس". وهو لقاء خاص يقوم به الرئيس التنفيذي لبنك "بوبيان" على انفراد مع الموظفين، ليستمع إلى آرائهم ومقترحاتهم وتطلعاتهم في جلسة يغلب عليها تبادل الأحاديث الودية.
رفعت السماعة وهاتفت رئيس البنك عادل الماجد، لأعرف ما الذي دفعه إلى ذلك، فقال إن هدفه من هذا اللقاء الأسبوعي، هو "الاقتراب أكثر من الموظفين والاستماع إليهم والاستفادة من أفكارهم في تطوير البنك". وكان من ثمرات هذه اللقاءات أن جمع مقترحات عدّة أسهمت في خفض التكاليف وأخرى في رفع الأرباح. وهي كلها مقترحات مجانية يقدمها أشخاص يفهمون المؤسسة جيداً، وعلى نحو أفضل أحياناً من المستشارين الخارجيين الذين قد يكونون أبعد عن طبيعة المؤسسة وثقافتها.
وهذا اللقاء يذكرني أيضاً بالرئيس التنفيذي لإحدى شركات الاستثمار الذي دعا فور توليه مهامه، كل موظف في الشركة على انفراد ليتبادل معه الأحاديث لمدة 15دقيقة. وكان يدوّن في استبانة معدة مسبقاً إجابات المشاركين عن كل سؤال، بحيث يصبح لديه في النهاية معلومات مصنّفة ومحددة يمكن أن يلجأ إليها، وليست إجابات مفتوحة فقط. وكان في بداية كل لقاء يتعهّد لهم بأن يحاط اللقاء بالسرية البالغة، وأنه لن يفصح عمّا دار فيه، حتى وإن كان فيه نقد لاذع لمدير الموظف المباشر. بعبارة أخرى كان هذا اللقاء رسمياً أكثر من لقاء رئيس البنك، وهي في النهاية خيارات مطروحة أمام القياديين.
ومن ثمرات جلسات الاستماع الدورية مع الموظفين، أنها تمنح القيادي حصيلة جيدة من المعلومات والأسرار، وتكشف بواطن الأمور في بعض الإدارات التي يحاول مديرون إخفاءها. فلا يستطيع المدير بعد ذلك أن يخفي أو "يتبلّى" على موظف من دون دليل دامغ. كما أن اللقاءات الشخصية تظهر تناقض المعلومات التي يحاول البعض تلفيقها أمام الرئيس. مثال ذلك، إذا كان موظف يتذمّر من عيوب مديره المعيقة للعمل، فبإمكان الرئيس أو المدير العام التأكد من صحة ذلك، من خلال تأمل إجابات آخرين منصفين، وأخذ معدل آراء عدد منهم، في أن يكون انطباعه مبنياً على آراء عدد أكبر من الناس.
كما أن قائد المؤسسة حينما يلتقي دورياً الموظفين، وجهاً لوجه، فإنه قد ينجح في امتصاص شيء من تداعيات تذمّرهم أو مشيهم في الغيبة والنميمة بين الموظفين، بسبب قرارات الإدارة العليا "غير الشعبية" أو الحازمة إن جاز التعبير. بعبارة أخرى، إذا سمع الموظفون، مثلاً، من صاحب القرار مبرراته، ربما يكون قبولهم أو تفهّمهم لها أفضل من سماعها عبر القنوات الرسمية المكتوبة.
ولو واظب كل قيادي على التمسّك بثقافة "جلسات الإنصات" داخل منظومته، لوجد فيها استفادة كبيرة، ربما أفضل بكثير من التقارير الداخلية المنمّقة أو الصورة الوردية التي يحاول بعض المديرين رسمها له والتي قد تكون بعيدة عن أرض الواقع.
