You are here

×

عقولنا و«الصندوق البرتقالي»

محمد النغيمش

ربما لا يعلم البعض، أن العالم الأسترالي، د. ديف وارن، مبتكر «الصندوق الأسود» الذي يسجل المحادثات في قمرة القيادة في الطائرة، كان قد فقد والده في فاجعة تحطم طائرة عام 1934. 

فيديو| نائب أمير الجوف لـ«الرجل»: ولي العهد يحمل على عاتقه آمال وتطلعات نمو المملكة

لم ينتحر وارن بعد مقتل والده أو يندب حظه العاثر، بل عكف على اكتشاف جهاز أسهم في حفظ آلاف الأرواح من الهلاك، في حوادث تحطم الطائرات، لأن جهازه الذي يسجل كل شاردة وواردة صوتية، فضلاً عن سرعة الطائرة وهبوطها وارتفاعها، وغيرها، صار يُعتمد عليه في التحقيقات، إذ تبدأ بعدها الشركات المصنعة للطائرات والمنظمات الرقابية بتدارك الخلل في التصنيع أو في اللوائح والقوانين

نائب أمير منطقة عسير يكتب لـ«الرجل»: ولي العهد ومهام التحديث والنهوض بالدولة (فيديو)

واللافت أن هذا الجهاز ليس أسودَ، كما يشاع، بل "برتقالي". والمفارقة أن ذلك الجهاز العظيم، الذي يتحمّل شدة المكوث في أعماق المحيطات والحرائق والارتطام بالأرض، لم يرحب به المسؤولون في بلاده ورأوه عديم الجدوى في الطيران المدني، حسبما قرأت في موقع للحكومة الأسترالية. وما إن شاهده الإنجليز وجربوه، حتى بدأوا في محاولة استخدامه. ولم يلقَ الابتكار اهتمامًا جديًا في أستراليا، حتى اقترح أحد القضاة، في قضية تحطم طائرة، في حقبة الخمسينات، استخدام هذا الجهاز المهم الذي غيّر مجرى التحقيقات في عالم الطيران

فيديو| وزير الشؤون البلدية يكتب لـ«الرجل» ولي العهد.. عنوان المرحلة القادمة في مسيرة الوطن المباركة

ومن المفارقات أيضًا، أن مسؤولين في الولايات المتحدة، لم يستجيبوا لطلب من السفارة الأسترالية لعرض الصندوق الأسود، أو البرتقالي. ليس هذا فحسب، بل إن هذا الجهاز قد لقي تندرًا من الطيارين كونه نوعًا من أنواع التجسس عليهم، وهو ما يذكرنا بأن تعليقات الناس من حولنا يجب ألا تؤخذ دائمًا على محمل الجد، لا سيما غير الموضوعية منها، أو تلك المتعلقة بمقترح غير مسبوق. ومهما كانت قتامة المشكلة أو الورطة فإن الحل قد يكمن في أذهان المحيطين بنا. فكم من مشكلة أخرجت فريق عمل أو وزارة أو دولة بأسرها من معضلة حقيقية، ليس لسبب سوى أنهم منحوا صاحب الحل آذانًا صاغية.

نحن نعاني، ظاهرة محاربة إسهامات الآخرين، إما خوفًا منهم، أو لأنهم ليسوا من «الشلة» المحسوبة علينا، أو لأن صاحب الفكرة يحمل رأيًا سياسيًا مغايرًا لرأي الحكومة. مع أنه، في داخل كل منا صندوق برتقالي خلّاق يحتاج إلى من يعرف كيف يفتحه، ومتى، أو على الأقل يصونه من المهانة والتجريح والتشكيك.

لا شك أنه لن تقوم لنا قائمة ما دمنا نصنف مبدعينا وأصحاب المبادرات، قبل أن ندرك جيدًا ما في عقولهم من أفكار قد يرفعون بها شأن أوطانهم. وما الصندوق البرتقالي (الأسود)، إلا مثال لاقتراح كان يمكن أن يوأد لولا أن مُنح صاحبه فرصة التجربة.

 

التعليقات

أضف تعليق