رطلٌ من الخداع!
محمد النغيمش
يروى أن مزارعا باع رطلا من الزبدة إلى خباز. وفي يوم من الأيام قرر الخباز أن يقيس كمية الزبدة ليرى ماذا كانت حسب الوزن المطلوب (رطلا أي نحو نصف كيلو). غير أنه فوجىء بأن المزارع قد وضع له كمية أقل فثارت ثائرة الخباز. فأخذ المزارع فورا إلى المحكمة. وهناك سأل القاضي المزارع ما إذا كان يستخدم أي وسيلة لقياس الأوزان. فأجاب المزارع: "يا حضرة القاضي، أنا رجل بدائي وبسيط جدا، وليس لدي جهاز أقيس به بدقة، لكن لدي مقياس آخر". فقال القاضي: "ما هو؟ وكيف كنت تقيس كميات الزبدة تحديدا التي بعتها؟". فقال المزارع "يا حضرة القاضي، بصراحة، منذ زمن طويل، وقبل أن يصبح هذا الخباز زبوني، كنت أشتري منه رطلا من الخبز. ولما بدأ الخباز يأتي إلي يوميا لشراء الزبدة، كنت أقيس ذلك أيضا بمقياس رطل من الخبز، الذي اشتريته منه، تماما كما أفعل مع سائر الزبائن. وعليه إن كان هناك من يستحق اللوم والتوبيخ والعتاب فهو ذلك الخباز الذي كان يغشنا جميعا".
المغزى من هذه القصة أن المرء في هذه الحياة سيأتيه يوم ما يدفع فيه ثمن أخطائه. وأن ما تقدم من عمل يعود عليك، إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر. ناهيك إن كان غشا محضا.
وأنا أطالع الصحف العربية يوميا أصاب بحالة من الوجوم من هول ما أقرأ من أفعال شنيعة، مثل صاحب ذلك المطعم، الذي ضبط وهو يبيع لحوم الحمير لأبناء الحي الذي يقطنه، لسنوات عديدة، على اعتبار أنها لحوم أبقار!! وأولئك الذين يدسون السم في العسل فيبيعون أطعمة منتهية الصلاحية مع أخرى صالحة وغيرهم.
حينما يغش المرء، هو في الحقيقة لا يغش سوى نفسه، لأنه يوهم نفسه بذكاء زائف. هو في الحقيقة ليس إلا مجرما محتالا رفض خوض معترك المنافسة الشريفة. ومثله مثل العداء الذي يلتهم رطلا من المنشطات ليوهم نفسه بإنجاز زائف سرعان ما ينكشف. ولذا يقول المثل الإنجليزي what goes around comes around أي كما تدين تدان .
صحيح أن الغِشّ لغة هو "كتم كل ما لو علمه المبتاع كرهه" غير أن من الغش أنواع أخرى لا تقل خداعا وألما. كالحاكم حينما يغش رعيته، والوزير عندما يخون الأمانة فيخدع الرأي العام الذي وثق به. واعرف وزيرا شهيرا نهب خزائن الدولة من غير وجه حق وها هو يكابد عناء المرض متناقلا من مستشفى إلى آخر.
ومن الغش السكوت عن معلومة لو كشفت إنزاحت جبال من الغش والمكر والخديعة في المجتمع.
