ليس تجاهلًا.. ماذا يعني انسحاب الشخص الذي كان حاضرًا دائمًا؟
حين يصمت الشخص الذي اعتاد أن يكون حاضرًا في كل الأوقات، ويتوقف عن الرد على الرسائل أو السؤال عن الآخرين، يصبح غيابه لافتًا أكثر من غياب أي شخص آخر، فهو الذي يتذكر المواعيد، ويبادر بالاطمئنان، ويترك ما يشغله لمساندة صديق يمر بوقت صعب، لكن ما لا يراه المحيطون به أن الشخص الذي اعتاد تقديم الدعم قد يصل إلى مرحلة لا يجد فيها الطاقة اللازمة لطلبه أو حتى للحديث عما يمر به.
هذا الصمت لا يعني بالضرورة الرغبة في الابتعاد، بل ربما يرتبط بفقدان مؤقت للدور الذي اعتاد الشخص أن يعرّف نفسه من خلاله، وهو ما تفسره دراسات نفسية تناولت هوية المساعد وصعوبة طلب الدعم.
أسباب نفسية تفسر الانسحاب المفاجئ
ووفق ما نشر في bolde، تناولت المعالجة النفسية إيلين شتراوس كوهين، من جامعة باري، هوية الشخص الذي اعتاد مساعدة الآخرين وتحمل مسؤولياتهم، موضحةً أن هذا الدور يتشكل تدريجيًا حتى يصبح جزءًا أساسيًا من تصور الإنسان لذاته.
فالشخص الذي يلبي احتياجات المحيطين به باستمرار، ويتدخل لحل مشكلاتهم، قد يبدأ في ربط قيمته بمدى فائدته للآخرين، ومع تكرار التجربة، تتداخل لديه مشاعر المحبة والتقدير مع قدرته على تقديم المساعدة، فيصبح من الصعب عليه تصور مكانته في العلاقات بعيدًا عن كونه الشخص الذي يعتمد عليه الجميع.
وتظهر الأزمة عندما تنفد طاقته ولا يعود قادرًا على أداء هذا الدور، عندها يواجه سؤالًا ثقيلًا: من أكون إذا لم أستطع مساعدة الآخرين؟ وقد يدفعه هذا التساؤل إلى الانسحاب بدلًا من إظهار ضعفه أمام أشخاص اعتادوا رؤيته قويًا.
لماذا يتجنب المنهك نفسيًا الرد على الرسائل؟
قد تبدو رسالة قصيرة مثل "كيف حالك؟" بسيطة، لكنها بالنسبة إلى شخص يمر بمرحلة استنزاف نفسي تحمل تحديًا أكبر ما تبدو عليه، فالرد الصادق يتطلب شرحًا وتفاصيل وربما اعترافًا بأنه ليس بخير، بينما الاكتفاء بكلمة "بخير" يجعله يشعر بأنه يخفي الحقيقة عن شخص قريب منه.
وتفسر الباحثة ماريانا بوكاروفا، من جامعة تورنتو، هذه الحالة من خلال حلقة متصاعدة من التجنب؛ إذ يتحول الحرج من تأخر الرد إلى شعور بالذنب، ثم يدفع الذنب الشخص إلى تأجيل التواصل مرة أخرى، وكلما طال الصمت، أصبح استئناف الحديث أكثر صعوبة، لأن الشخص يشعر بأنه مطالب بتفسير غيابه قبل الحديث عن حالته.
وهكذا تتراكم الرسائل غير المجاب عنها، ليس بالضرورة بسبب عدم الاهتمام، بل لأن الرد نفسه أصبح مهمة تستنزف ما تبقى من طاقته.
يرتبط الانسحاب أحيانًا بصعوبة الظهور أمام الآخرين بصورة مختلفة عن الصورة التي اعتادوا عليها، فالشخص الذي كان دائمًا مستمعًا جيدًا، وصاحب الحلول، ومصدر الطمأنينة، قد يجد صعوبة في الوجود داخل العلاقة دون أن يقدم شيئًا.
ومن جانبه، أشار الباحث شوان ژاو من جامعة ستانفورد، إلى أن الخوف من الظهور بمظهر غير الكفء أو الضعيف أو الأقل مكانة يدفع بعض الأشخاص إلى التراجع عن طلب الدعم، ويزداد هذا الشعور لدى من اعتادوا تولي دور المساند بدلًا من الشخص المحتاج إلى المساندة.
كيف تتواصل مع شخص انسحب فجأة؟
يؤدي الانسحاب أحيانًا إلى دائرة من الصمت المتبادل؛ إذ يعتقد الأصدقاء أن الشخص يحتاج إلى مساحة، فيقللون رسائلهم ودعواتهم، بينما يفسر هو هذا التراجع باعتباره دليلًا على أن الآخرين لم يعودوا يرغبون في وجوده.
لذلك، لا تكون عبارة "أخبرني إذا احتجت إلى شيء" دائمًا الطريقة الأكثر فاعلية، خصوصًا إذا كان الشخص يجد صعوبة أصلًا في طلب المساعدة. يمكن بدلًا منها إرسال رسالة بسيطة مثل "أفكر فيك، ولا تحتاج إلى الرد"، أو تسجيل رسالة صوتية قصيرة تؤكد أن التواصل لا يزال ممكنًا.
فالأهم ليس الضغط عليه للعودة سريعًا، بل تذكيره بأن قيمته في العلاقة لا تتوقف على مقدار ما يقدمه للآخرين، وأنه يستطيع أن يكون حاضرًا حتى في الأوقات التي لا يملك فيها ما يمنحه لأحد.
