لماذا تبقى بعض لحظات العناق محفورة في الذاكرة طوال العمر؟
قد يبدو العناق تصرفًا يوميًا بسيطًا لا يستغرق سوى ثوانٍ، لكنه يترك لدى بعض الأشخاص أثرًا عاطفيًا يمتد لسنوات، وربما يظل حاضرًا في الذاكرة طوال العمر، فبين عناق يمنح الشعور بالأمان وآخر يعكس التفاهم والدعم، تختلف التجربة من شخص إلى آخر، وفقًا لطبيعة شخصيته ودرجة تعاطفه وطريقة ارتباطه بالآخرين.
وكشفت دراسة علمية نُشرت في مجلة PLOS One، أن العناق ليس مجرد تواصل جسدي عابر، بل تجربة وجدانية ترتبط بذكريات شخصية مؤثرة، موضحةً أن عوامل نفسية وفردية تسهم في تحديد اللحظات التي تبقى عالقة في الذاكرة.
كيف يترك العناق أثرًا في الذاكرة
قادَت العالمة آنا لينا دورين من جامعة بريستول البريطانية فريقًا بحثيًا حلّل بيانات مسح شارك فيه أكثر من 15,049 بالغًا بريطانيًا، في واحدة من أوسع الدراسات التي تناولت ذكريات العناق وأثرها العاطفي.
وأظهرت النتائج أن نحو 70% من المشاركين يتذكرون لحظات عناق محددة بسبب أثرها الإيجابي، وكانت مشاعر الراحة والتفاهم والدعم أبرز الأسباب وراء بقاء هذه التجارب في ذاكرتهم.
وأوضحت دورين، أن البحث يُعد الأول من نوعه الذي يستقصي الذكريات الشخصية المرتبطة بالعناق على هذا النطاق، إذ تناول دوافع تذكّر هذه اللحظات، والظروف المحيطة بها، والمشاعر التي تتركها بعد انتهائها.
سر بقاء العناق في الذاكرة
لم تتوقف النتائج عند طبيعة العناق نفسه، بل امتدت إلى السمات الشخصية للأفراد، فقد أظهرت البيانات أن الأشخاص الذين سجلوا مستويات أعلى في التعاطف المعرفي والانفعالي كانوا أكثر ميلًا إلى تذكّر لحظات العناق ذات الأثر الإيجابي.
ويشير التعاطف المعرفي إلى القدرة على فهم مشاعر الآخرين، بينما يرتبط التعاطف الانفعالي بالتفاعل الوجداني معها، ووفقًا للباحثين، يمكن أن تسهم هاتان السمتان في جعل التواصل الجسدي تجربة أكثر عمقًا وتأثيرًا.
كذلك ارتبط ارتفاع الوعي الجسدي، أي القدرة على إدراك الإشارات والأحاسيس المرتبطة بالجسم واللمس، بزيادة احتمال تذكّر العناق.
وفي المقابل، ارتبطت صعوبة معرفة كيفية العناق وعدم الاستمتاع به بانخفاض احتمال استحضاره بوصفه ذكرى إيجابية.
ولاحظ الفريق أن الأشخاص الذين اعتادوا عناق أفراد عائلاتهم وأصدقائهم عند التحية كانوا أكثر ميلًا إلى الاحتفاظ بذكريات إيجابية عن هذه اللحظات، ما يشير إلى أن تكرار التجربة لا ينتقص بالضرورة من قيمتها العاطفية.
كيف تؤثر طبيعة العلاقات في ذكريات العناق؟
كشفت الدراسة أيضًا عن اختلافات مرتبطة بأنماط الارتباط العاطفي، فالأشخاص الذين يعانون قلق الارتباط، ويشعرون بالضيق عند الانفصال عن المقربين، كانوا أكثر احتمالًا لتذكّر العناق بوصفه تجربة إيجابية.
أما أصحاب الميل الأكبر إلى الاستقلالية في العلاقات، فكانوا أقل احتمالًا لاستحضار العناق باعتباره ذكرى ذات قيمة عاطفية إيجابية.
ورصد الباحثون كذلك اختلافًا بين الجنسين؛ إذ أشار الرجال بمعدل أكبر من النساء إلى العناق ذي الطابع المثير جسديًا باعتباره الأكثر حضورًا في الذاكرة، لكن الدراسة ضمت 75% من النساء، وهو ما يحد من إمكانية تعميم هذه النتيجة، ويجعل إجراء أبحاث بتوزيع أكثر توازنًا أمرًا مهمًا.
رغم اتساع العينة، حذرت دورين من تعميم النتائج على جميع المجتمعات، خصوصًا تلك التي تختلف فيها العادات المرتبطة بالتواصل الجسدي والمسافة الشخصية، كما أن طبيعة الدراسة لا تسمح بإثبات علاقة سببية مباشرة بين سمات الشخصية وطريقة تذكّر العناق.
وتفتح النتائج المجال أمام أبحاث جديدة تتناول تأثير التجارب السابقة والسياق الاجتماعي والشخصية في إدراك اللمس وتخزين ذكرياته، فالعناق الذي ينتهي خلال ثوانٍ يمكن أن يتحول إلى ذكرى طويلة الأمد، لكن قيمته لا تتحدد باللمسة وحدها، بل أيضًا بالمشاعر والعلاقة الإنسانية التي تحملها.
