ما وراء صمت الرجال.. لماذا يصعب التعبير عن المشاعر حتى بين الأصدقاء؟
يبدو الحديث عن المشاعر أمرًا بسيطًا حين يتعلق الأمر بالنصيحة أو الدعم، لكنه يصبح أكثر تعقيدًا عندما يُطلب من الرجل أن يكشف عن ضعفه أمام صديق مقرب، فخلف العلاقات التي تجمع الرجال، قد تختبئ مشاعر لم تجد طريقها إلى الكلمات، ومخاوف من الرفض أو السخرية، وتوقعات اجتماعية تربط الرجولة بالتماسك والصمت أكثر من التعبير والانفتاح.
ووفق ما نشر في psychologytoday، تتناول هذه المسألة أحداث فيلم الشمال "The North" ، الذي يتتبع رحلة صديقين قديمين في مرتفعات أسكتلندا، ليكشف كيف يمكن للوحدة وتغيرات الحياة والتوقعات المرتبطة بالرجولة أن تجعل استعادة الصداقة أصعب ما تبدو عليه.
أحداث فيلم The North
وتدور أحداث الفيلم حول كريس، الذي يؤدي دوره بارت هاردر، ولويس، الذي يجسده كارليس بوليدو، وبعد انقطاع دام عشر سنوات، يلتقي الصديقان مجددًا لخوض رحلة مشي تمتد لنحو 330 ميلًا، لكن الطريق الذي يفترض أن يعيدهما إلى بعضهما يكشف عن صعوبة التعبير عن الإحباط والمشاعر المتراكمة، وعن الفجوة التي تركها الزمن بينهما.
واستلهم المخرج بارت شريفر فكرة الفيلم من تجربة شخصية خاضها خلال رحلة مشي في نيوزيلندا برفقة أحد أصدقائه، فرغم قضائهما أشهرًا معًا ومشاركتهما خيمة واحدة، اكتشف عند مراجعة مذكراته لاحقًا أنهما لم يكونا على اتصال عاطفي حقيقي طوال الوقت.
وتفتح هذه التجربة بابًا لفهم جانب من صداقات الرجال؛ إذ لا يعني الوجود المستمر مع الآخرين بالضرورة وجود قرب عاطفي بينهم.
لماذا يفضّل الرجال الحديث جنبًا إلى جنب؟
غالبًا ما تتشكل صداقات الرجال من خلال الأنشطة المشتركة، مثل ممارسة الرياضة أو مشاهدة المباريات أو المشي في الطبيعة وفي هذه اللقاءات، لا يكون الحديث عن المشاعر هو الهدف المعلن، لكنه قد يظهر بصورة تلقائية خلال النشاط.
ويرى كارليس بوليدو أن الرجال قد يتعلمون بناء حاجز يحميهم من بيئة يخشون أن ترفض التعبير العلني عن المشاعر وعندما يجلس شخصان وجهًا لوجه في انتظار حديث عاطفي مباشر، قد يشعر أحدهما بأنه تحت المراقبة، فيزداد توتره ويصعب عليه اختيار الكلمات.
أما السير جنبًا إلى جنب، فيمنح الطرفين مساحة أكبر، ويجعل الصمت أقل إحراجًا، ويتيح للمحادثة أن تتطور دون ضغط مباشر.
ويصف بارت هاردر رحلات المشي مع أصدقائه بأنها فرصة للاطمئنان على بعضهم، إذ يمكن أن يتحول الحديث العادي، مع مرور الوقت، إلى سؤال أكثر عمقًا: «كيف حالك حقًا؟».
لا تتوقف المشكلة عند صعوبة العثور على الكلمات المناسبة، بل تمتد إلى الرسائل الاجتماعية التي يتلقاها الرجال منذ الصغر فقد يُطلب منهم التعبير عن مشاعرهم، بينما يتعرضون في الوقت نفسه لضغوط توحي بأن الحزن أو الخوف أو الحاجة إلى الدعم علامات على ضعف الشخصية.
ويشير هذا التناقض إلى سبب محتمل وراء تحفظ بعض الرجال في علاقاتهم؛ فالإفصاح عن تجربة مؤلمة أو فقدان شخص عزيز قد يقابَل أحيانًا بالسخرية بدلًا من التعاطف ومع تكرار هذه التجارب، يصبح الصمت وسيلة لتجنب الإحراج أو الرفض، حتى عندما تكون الحاجة إلى الدعم حقيقية.
وتكشف هذه الديناميكية كيف يمكن للتوقعات المرتبطة بالرجولة أن تعرقل بناء علاقات تسمح بالتعبير الصادق عن المشاعر.
كيف تتغير الصداقات مع مرور الوقت؟
توضح قصة «الشمال» أن الصداقات القديمة لا تبقى بالضرورة على حالها مع تغير ظروف الحياة فقد يتباعد الأصدقاء بسبب المسؤوليات أو اختلاف التجارب، ولا يعني ذلك دائمًا أن العلاقة فقدت قيمتها، بل ربما تحتاج إلى طريقة جديدة للتواصل.
ولا يتطلب التقارب العاطفي أن تتحول كل جلسة بين الأصدقاء إلى حديث طويل عن المشاعر؛ فقد تبدأ الخطوة الأولى بنشاط مشترك، أو سؤال صادق، أو استعداد للاستماع دون إصدار أحكام.
وفي النهاية، لا تُقاس قوة الصداقة بغياب الصمت، بل بقدرة الطرفين على الشعور بالأمان داخله، ثم العثور على الكلمات حين يصبح الحديث ضروريًا. فإظهار الضعف لا ينتقص من الرجولة، بل قد يكون خطوة نحو علاقة أكثر صدقًا وقدرة على الاستمرار.
