لماذا يفضل العلماء التوقيت الشتوي على الصيفي؟
يميل عدد من العلماء والمتخصصين في طب النوم إلى اعتماد التوقيت الشتوي طوال العام، باعتباره الأكثر توافقًا مع الإيقاع البيولوجي لجسم الإنسان.
ويستند هذا التوجه إلى أبحاث تربط توقيت التعرض لضوء الشمس بجودة النوم والمزاج والوظائف الحيوية.
وتكشف ثلاث أوراق بحثية حديثة جوانب مختلفة من هذا الجدل، إذ تتناول تأثير أنظمة التوقيت في الإيقاع البيولوجي والصحة النفسية، وتوضح أسباب تفضيل التوقيت الشتوي لدى عدد من الباحثين، مع رصد فوائد وأضرار تغيير الساعة موسميًا.
الساعة البيولوجية.. كيف يؤثر ضوء الشمس في النوم؟
تعمل الساعة البيولوجية وفق دورة يومية تمتد نحو 24 ساعة، وتنظم مواعيد النوم والاستيقاظ وإفراز الهرمونات ومستويات النشاط.
ويؤدي ضوء الشمس دورًا أساسيًا في ضبط هذا الإيقاع، إذ تساعد الإضاءة الصباحية على تنشيط الجسم وتقديم موعد الشعور بالنعاس ليلًا.
ويتوافق التوقيت الشتوي مع موقع الشمس بصورة أقرب إلى التوقيت الطبيعي، إذ يجعل الساعة 12 ظهرًا قريبة من موعد وصول الشمس إلى أعلى نقطة في السماء.
أما التوقيت الصيفي فيقدم الساعة 60 دقيقة، ناقلًا جزءًا من ضوء النهار من الصباح إلى المساء، دون أن يضيف ساعات إضاءة فعلية إلى اليوم.
وتزداد أهمية هذا الاختلاف مع نمط الحياة الحديث، الذي يجمع بين قضاء ساعات طويلة داخل المباني والتعرض للإضاءة الاصطناعية والشاشات ليلًا.
ويؤدي ضعف الضوء الصباحي مقابل زيادة الإضاءة المسائية إلى تأخير الساعة الداخلية، ما يخلق فجوة بين الاستعداد البيولوجي للاستيقاظ ومواعيد العمل والدراسة، وتُعرف هذه الحالة باسم اضطراب الرحلات الاجتماعية.
التوقيت الصيفي يطيل ظلام الصباح
تتمثل إحدى أبرز مشكلات اعتماد التوقيت الصيفي طوال العام في تأخر شروق الشمس خلال أشهر الشتاء، ما قد يضطر الطلاب والموظفين إلى بدء يومهم قبل ظهور الضوء الطبيعي.
ووفق تحليل نُشر في المجلة الطبية الكندية، قد يصل موعد شروق الشمس في مدينة كالجاري إلى الساعة 9:40 صباحًا خلال يناير، إذا استمر العمل بالتوقيت الصيفي.
ويثير هذا التأخر مخاوف بشأن النوم والتركيز والمزاج، خصوصًا لدى المراهقين الذين تتغير لديهم مواعيد النوم طبيعيًا خلال مرحلة النمو، ما يجعل الاستيقاظ المبكر أكثر صعوبة.
كما يرتبط نقص التعرض للضوء الصباحي بزيادة احتمالات الاضطراب العاطفي الموسمي، وهو نمط من الاكتئاب يرتبط بتغير الفصول.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الحالة تصيب ما بين 1% و3% من الكنديين، بينما يعاني ما يصل إلى 15% أعراضًا شتوية أخف تشمل تراجع المزاج والطاقة واضطراب النوم.
اضطرابات النوم تزيد حساسية الصحة النفسية
قد تكون آثار تغيير الساعة أكثر وضوحًا لدى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية مزمنة، إذ تواجه أنظمتهم البيولوجية صعوبة أكبر في التكيف مع التغيرات المفاجئة في مواعيد النوم والاستيقاظ.
واستعرضت مراجعة علمية نُشرت في مجلة Brain Sciences دراسات تناولت الاكتئاب والقلق والاضطراب ثنائي القطب واضطراب ما بعد الصدمة وفرط الحركة وتشتت الانتباه.
وأوضحت أن اضطرابات النوم تظهر لدى ما يصل إلى 90% من المصابين باضطراب ما بعد الصدمة، فيما يعاني ما بين 73% و78% من المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه تأخر دورة النوم والاستيقاظ.
وتلفت المراجعة إلى أن تقديم الساعة في الربيع قد يحرم الجسم ساعة من النوم، خصوصًا أن مرحلة نوم حركة العين السريعة المرتبطة بمعالجة المشاعر وتثبيت الذكريات، تتركز خلال الساعات الأخيرة قبل الاستيقاظ. وقد يؤثر فقدان هذه الفترة في التوازن النفسي والقدرة على تنظيم الانفعالات.
التوقيت الشتوي يتقدم في ميزان الدراسات العلمية
قارنت دراسة تحليلية التأثيرات الصحية المحتملة لاعتماد أحد النظامين طوال العام، وخلصت إلى أن التوقيت الشتوي يوفر فوائد صحية أكبر، خصوصًا في المناطق الشمالية.
وأشارت نماذج محاكاة للأمراض المزمنة في الولايات المتحدة إلى أن المكاسب الصحية للتوقيت الصيفي الدائم تقل بنحو الثلث مقارنة بالتوقيت الشتوي الدائم.
لكن مراجعة منهجية أخرى شملت 157 دراسة من 36 دولة قدمت صورة أكثر تعقيدًا؛ إذ لم تجد أن تغيير الساعة موسميًا ضار بصورة مطلقة.
ورصدت بعض الدراسات ارتفاعًا مؤقتًا في مخاطر النوبات القلبية وحوادث المرور بعد الانتقال إلى التوقيت الصيفي، مقابل ارتباط العودة إلى التوقيت الشتوي بانخفاض نسبي في الوفيات الإجمالية وحوادث العمل.
ولا تخلو الأدلة العلمية من قيود، إذ اعتمدت معظم الأبحاث على بيانات رصدية ومقارنات سكانية، ما يجعل إثبات العلاقة السببية المباشرة بين نظام التوقيت والنتائج الصحية أمرًا صعبًا.
كذلك لا يخلو التوقيت الشتوي من سلبيات، إذ قد يؤدي إلى غروب الشمس مبكرًا خلال الصيف، ما يقلل فرص ممارسة الأنشطة الخارجية في المساء.
وتتقاطع نتائج الأبحاث المتعلقة بالنوم والصحة النفسية مع التحليل الكندي في تفضيل التوقيت الشتوي عند اختيار نظام دائم، مع توصيات بتعديل مواعيد بدء الدراسة وتحسين الإضاءة الصباحية وتعزيز إجراءات السلامة المرورية في المناطق التي تعتمد التوقيت الصيفي.
