تزامنًا مع يومه العالمي.. كيف يفكر أغنى رجال العالم في الادخار؟
يحتفل العالم في 31 أكتوبر من كل عام باليوم العالمي للادخار، وهو تاريخ أسّسه مؤتمر بنوك الادخار الدولي الأول في ميلانو عام 1924، تذكيرًا بأن تراكم المدخرات ركيزة من ركائز الاستقرار الاقتصادي.
وفي هذا اليوم بالذات، أشعل رجل الأعمال إيلون ماسك جدلًا واسعًا حين أعلن أن الادخار طويل الأمد لا معنى له في ظل الوفرة القادمة.
فلسفة ماسك حول الادخار
@battleangelviv Saving money for the distant future is pointless with the advent of super intelligent abundance
— Elon Musk (@elonmusk) October 29, 2026
كتب ماسك على منصة إكس في 29 أكتوبر 2026: "الادخار للمستقبل البعيد لا قيمة له مع مجيء الوفرة الناجمة عن الذكاء الاصطناعي الخارق".
وجاء التصريح ردًّا على مستخدمة قالت إنها تبرر قراراتها المالية المتهورة بحجة أن المستقبل سيكون عصر وفرة لن تهم فيه التفاصيل المالية الحالية.
لم يكن هذا الموقف مفاجئًا؛ إذ أكد ماسك في يناير 2026 خلال حلقة من بودكاست "Moonshots with Peter Diamandis": "لا تقلق بشأن تجميع المال للتقاعد خلال عشر سنوات أو عشرين. لن يهم الأمر"، وأضاف أن الادخار للتقاعد سيصبح "غير ذي صلة" إن تحققت نبوءاته حول الذكاء الاصطناعي.
ما يمنح هذه التصريحات ثقلًا استثنائيًا أنها صادرة عن أغنى رجل في العالم بثروة تقترب من تريليون دولار. فحين يعلن شخص على هذا المستوى أن الادخار لا جدوى منه، يتجاوز الصدى منصة إكس ليطرح تساؤلات جوهرية عن مستقبل المنظومة المالية الشخصية.
على أي رؤية يراهن ماسك؟
يبني ماسك تصوره على تسارع مذهل في الذكاء الاصطناعي، والطاقة، والروبوتات، يرى أنه سيقود إلى ارتفاع غير مسبوق في الإنتاجية ووفرة في الموارد، بحيث يصبح بمقدور كل شخص الحصول على ما يريد. وقد توقّع أن يتجاوز الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 "ذكاء البشرية كافة مجتمعةً".
ويصف مستقبلًا تتلاشى فيه الفجوة بين المرضى وأفضل الرعاية الطبية، وتختفي الندرة من قاموس الاقتصاد، ويصبح العلم والمعرفة متاحين للجميع دون مقابل.
وقد مضى أبعد من ذلك حين تحدث عن اقتصاد متعدد الكواكب تفقد فيه العملة النقدية أساسها، لأن مفهوم الشُّح الذي تقوم عليه سيكون قد زال.
ولا تبقى رؤيته حبرًا على ورق؛ فمشاريعه في SpaceX وTesla ومشروع الروبوت Optimus تعكس إيمانه الفعلي بهذا التحول. غير أن المفارقة تكمن في أن هذه المشاريع تعمل وفق خطط مالية دقيقة تمتد لعقود، ما يجعل الهوّة واسعة بين ما يقوله وما تفعله شركاته.
موقف الخبراء من الادخار
سبعة خبراء في التمويل الشخصي والذكاء الاصطناعي استطلعت Business Insider آراءهم، فاتفق جميعهم على أن الادخار للتقاعد ضرورة قائمة، لأن احتمال خطأ ماسك في توقيته واردٌ جدًا.
وأشاروا إلى أنه حتى لو تحققت الوفرة يومًا، فلا أحد يعرف متى تأتي ولا كيف تُوزَّع بين الناس.
ويتقاطع رجل الأعمال بيل جيتس مع بعض رؤية ماسك، إذ أكد في تصريحات أخيرة أن الذكاء الاصطناعي سيقود إلى "وفرة حقيقية" حين تصبح الروبوتات قادرة على البناء وزراعة الغذاء وإجراء الجراحات.
وبيد أنه حذّر من أن العقدين المقبلين سيكونان من أكثر الحقب اضطرابًا في التاريخ الإنساني.
ويُذكّر خبراء التمويل بأن معدلات الادخار الشخصي في الدول المتقدمة تراجعت أصلًا خلال السنوات الأخيرة، وأي خطاب يُضفي مشروعية على تأجيله يزيد هشاشة الأفراد الماليين.
ويرون أن التخطيط للمستقبل لا يتعارض مع الإيمان بالتقنية، بل ينبغي ألا يُقايَض به.
هل تناقض ماسك مع نفسه؟
يطرح منتقدو ماسك تساؤلات مشروعة؛ فرجلٌ يحثّ الناس على التخلي عن الادخار يمتلك ثروة تقترب من تريليون دولار، فيما تضخّ شركاته استثمارات ضخمة وتخطط لعقود مقبلة، ما يجعل الفجوة بين خطابه وسلوكه المؤسسي لافتة للنظر.
وفي المقابل، لا ينكر ماسك أن المرحلة الانتقالية ستكون "وعرة"، وسبق أن اقترح شيكات حكومية للجميع بوصفها حلًّا لموجة البطالة التي قد يفرزها الذكاء الاصطناعي.
هذا الاعتراف بالاضطراب المقبل يزيد حجج خبراء الادخار قوةً، إذ إن التقلبات الكبرى أشد الأوقات حاجةً إلى وسادة مالية.
وتبقى الخلاصة التي يجمع عليها المختصون أن التخطيط المالي لا يرتكز على نبوءات التقنيين مهما بلغت مصداقيتهم، فالادخار في جوهره تأمين ضد المجهول، وهو ما لم تُلغِه أي ثورة صناعية أو تقنية على مرّ التاريخ.
