كيف تفرض سويسرا ضرائب على الثروات دون أن تفقد جاذبيتها للأثرياء؟
تفرض سويسرا ضريبة على الثروة الصافية منذ ما يزيد على قرن، ومع ذلك تحتل المرتبة الرابعة عالميًا في نصيب الفرد من الناتج المحلي بـ126,177 دولارًا.
هذه المفارقة تحوّلت إلى حجة مركزية في النقاش الأمريكي المتصاعد حول فرض ضرائب على الأثرياء، بين مؤيد يرى فيها عدالة واجبة ومعارض يخشى هروب رأس المال.
لماذا لم تُهرّب الضريبة السويسرية أثرياءها؟
السر يكمن في انخفاض السعر لا في غياب الضريبة؛ إذ تراوح معدلاتها الفعلية بين 0.13% في كانتون نيدفالدن و0.76% في جنيف وفق بيانات 2026.
وأشار وارن جورليك، المستشار السابق في وزارة الخزانة الأمريكية، في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست إلى أن عدد البالغين الذين راوحت ثرواتهم بين خمسة ملايين و10 ملايين دولار نما بمعدل 7.4% سنويًا بين عامَي 2000 و2025.
في زيورخ، يدفع الزوجان اللذان تبلغ ثروتهما الصافية 2.5 مليون دولار معدلًا فعليًا لا يتجاوز 0.24%، ما يُعادل نحو ستة آلاف دولار سنويًا.
حتى أصحاب المليار دولار لا يتجاوز معدلهم الفعلي 0.7%، أي سبعة ملايين دولار سنويًا، وهو رقم لا يكاد يُحدث أثرًا في ثروة بهذا الحجم.
الضريبة في سويسرا شأن إقليمي وبلدي حصرًا، لا تتدخل فيه الحكومة الفيدرالية. يعني ذلك عمليًا أن كل إقليم يحدد معدله بمفرده، فتبقى المعدلات في حدود تنافسية منخفضة تحول دون تسرّب الثروات إلى الخارج، إذ يجد أصحاب رأس المال في الداخل السويسري نفسه خيارات كافية تُغنيهم عن الرحيل.
لماذا يهرب الأثرياء من ضرائب كاليفورنيا؟
بخلاف النهج السويسري، تقترح المبادرة الشعبية المعروفة بـ"Proposition 40" في كاليفورنيا ضريبة لمرة واحدة بنسبة 5% على ثروات من تتجاوز ثرواتهم مليار دولار، على أن تُحصَّل عام 2027.
وقد تراجع الدعم الشعبي للمقترح من 52% مطلع 2026 إلى 45% في سبتمبر الماضي وفق استطلاع جامعة كاليفورنيا بيركلي، مع بقاء 13% من الناخبين غير محسومين.
أثار المقترح ردود فعل فورية من كبار الأثرياء، إذ انتقل سيرجي برين، المؤسس المشارك لجوجل، إلى نيفادا وضخّ أكثر من 100 مليون دولار في حملة المعارضة، كذلك أكد ترافيس كالانيك، المؤسس المشارك لأوبر، مغادرته كاليفورنيا إلى تكساس.
يرى معارضو المقترح أن تقييم الأصول غير السائلة كحصص المؤسسين في الشركات الناشئة قد يُرغم أصحابها على بيع حصصهم للوفاء بالتزاماتهم الضريبية.
أما المؤيدون فيستندون إلى طفرة الذكاء الاصطناعي ليؤكدوا أن أثرياء كاليفورنيا سيظلون ضمن أغنى أغنياء العالم حتى بعد سداد هذه الضريبة.
مواقف الاقتصاديين والسياسيين من الضريبة
النقاش لا يقتصر على كاليفورنيا؛ فعلى المستوى الفيدرالي تقدمت السيناتور إليزابيث وارن بمقترح يفرض ضريبة بنسبة 2% على الثروات التي تتجاوز 50 مليون دولار، وترتفع إلى 3% فوق مليار دولار.
وفي المقابل، قدّم السيناتور بيرني ساندرز والنائب رو خانا مشروع قانون يفرض ضريبة 5% على المليارديرين.
والغريب أن الداعين لضريبة الثروة لا يقتصرون على السياسيين اليساريين، إذ انضم إليهم سكوت كيربي، الرئيس التنفيذي لشركة يونايتد إيرلاينز، معلنًا تأييده لضريبة ثروة وطنية.
ويرى مجموعة من الاقتصاديين الحائزين جائزة نوبل أن إقرار مقترح كاليفورنيا قد "يُطلق حركة" تمتد إلى ولايات أخرى ودول أجنبية.
هل يُعالج النموذج السويسري العجز الأمريكي؟
يرى جورليك أن تطبيق معدل 0.5% على ثروات أغنى 1% من الأسر الأمريكية قد يُدرّ بسهولة 200 مليار دولار سنويًا دون أن يدفع المليارديرين إلى الهجرة.
وتكتسب هذه الحجة أهمية متزايدة في ظل خطط الحكومة الفيدرالية لرفع الإنفاق الدفاعي، مع اقتراب صندوق تقاعد الضمان الاجتماعي من الإعسار خلال ست سنوات.
غير أن 200 مليار دولار تبقى قطرة في بحر الدين الأمريكي البالغ 40 تريليون دولار، أو حتى الإنفاق الفيدرالي لعام 2026 الذي بلغ 7.4 تريليون دولار.
وأقرّ جورليك بأن "ضريبة ثروة متواضعة لن تحل بمفردها عجز أمريكا السنوي البالغ تريليوني دولار"، لكنه أصرّ على أنها ستمثل دفعة أولى ذات معنى نحو معالجة الخلل المالي الأمريكي.
