الأثرياء يخفون ثرواتهم عن أبنائهم.. فهل يحمونهم أم يخذلونهم؟
يختار كثير من فائقي الثراء إخفاء حجم ثرواتهم عن أبنائهم، لا بخلًا، بل خشية أن يُفقدهم اليقينُ بالميراث شغفَهم بالعمل.
وقد رصدت دراستان حديثتان هذه الظاهرة بأرقام لافتة، وكشفتا أن الصمت العائلي حول الثروة لا يحمي الأبناء، بل يتركهم في مواجهة مسؤولية لم يُعَدّوا لها.
لماذا يخفي الأباء الثروة عن أبنائهم؟
كشفت دراسة بنك أوف أمريكا أن 61% من المشاركين الذين تتجاوز أصولهم الاستثمارية 25 مليون دولار يُبدون قلقًا من أن يُضعف الميراثُ دافعية أبنائهم.
وهو قلق يترجمونه إلى إجراءات فعلية: فنحو نصفهم يدعمون مشاريع أبنائهم الريادية، فيما يُضيف 41% شروطًا وقيودًا على صناديق الائتمان، والأكثر دلالة أن 36% يُقرّون بأنهم لا يُفصحون عن الحجم الفعلي للثروة العائلية.
وفي السياق نفسه، وجدت الدراسة أن ثلث المشاركين فقط يرون أن ورثتهم "مستعدون جدًا" لاستلام الميراث، ما يعني أن الفجوة بين الثروة المتراكمة والجاهزية لإدارتها لا تزال واسعة.
وعبّر أحد المشاركين من جيل طفرة المواليد عن تحديه الأكبر بوصفه معادلة عسيرة: كيف يترك لأبنائه إرثًا ماليًا دون أن يسلبهم في الوقت ذاته رغبتهم في العمل والإنتاج، وهو ما يعكس الأزمة الجوهرية التي يعيشها جيل الآباء الأثرياء اليوم.
آلية تأهيل الأبناء للثروة
يرى ماثيو سول، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Saul Wealth للاستشارات المالية، أن الأسر القلقة من عدم استعداد أبنائها لم تمنحهم فرصًا كافية للتعلم.
ويُلخّص موقفه بعبارة حادة: "حين تقول أسرة إن الأبناء غير مستعدين، فما تعنيه في الغالب أن أحدًا لم يُعدّهم، وهذه مشكلة تخطيط وليست مشكلة شخص، وهي قابلة للحل".
ويُؤكد سول أن إبقاء الجيل القادم في الظلام لا طائل منه، سواء تعلق الأمر بخطة التركة، أو مصير العقارات العائلية، أو التوجهات الخيرية للأسرة، وأن هذه المحادثات ينبغي أن تجري معًا أثناء الحياة وبعدها.
ويلفت إلى أن الأبناء كثيرًا ما يسعون للمحافظة على تقاليد أسرهم الخيرية مع رغبتهم في أن تعكس قيمهم الشخصية؛ لذا يرى أن القيم لا تُفرض من طرف واحد، بل "تُصاغ عبر حوار مفتوح حول القيم المشتركة والأهداف، والمقصود هو الأسرة بوصفها وحدة متماسكة، لا ما يريده أي فرد منفردًا".
أزمة الثقة والتواصل العائلي
رصدت دراسة فيديليتي للأسرة والمال لعام 2025، التي شملت آباء فوق سن الخامسة والخمسين بأصول لا تقل عن 500,000 دولار، فجوةً واسعة بين الجيلين.
فبينما يعتقد 95% من الأبناء البالغين أنهم مستعدون لإدارة الثروة الموروثة، يختلف معهم ربع الآباء، محتجّين بمخاوف تتعلق بالكيفية التي سيتعاملون بها مع هذه الثروة.
وعلى صعيد التواصل، لم يُطلع 68% من الآباء أبناءهم على طبيعة ما سيرثون أو قيمته، والأعمق أن 43% لا يثقون بقدرة أبنائهم على الالتزام بميزانية محددة، و40% يشككون في قدرتهم على إدارة الديون.
وتُشير الدراسة إلى أن الأسر التي تخوض نقاشات مشتركة حول الأدوار والمسؤوليات تُبدي ثقة أكبر في تنفيذ خططها بسلاسة.
ويُلخّص دافيد بيترسون، رئيس قسم الحلول المالية المتقدمة في فيديليتي، الأمر بقوله: "التخطيط للمستقبل لا يحمي الثروة وحدها، بل يحمي العلاقات أيضًا".
نقل الثروة ومعادلة التوريث الأصعب
تكشف دراسة بنك أوف أمريكا أن 78% من أصحاب الأعمال الأثرياء يعدّون التخطيط للخلافة أمرًا بالغ الأهمية، غير أن 20% منهم فقط يمتلكون خطة موثقة بالكامل.
ومن بين أصعب التحديات تأتي المحادثات العائلية في مقدمة القائمة، ما يؤكد أن العائق ليس قانونيًا ولا ماليًا، بل إنساني بامتياز.
ولا يزال نقل الثروة يتسارع بوتيرة غير مسبوقة؛ إذ ارتفعت نسبة أصحاب الأعمال الذين ورثوا شركاتهم إلى 23% عام 2026، بعد أن كانت 11% عام 2024 و5% عام 2022.
وتُشير كاتي كارلسون، رئيسة استراتيجية الثروات في بنك أوف أمريكا برايفت بنك، إلى أن 79% من المشاركين يُشركون المستشارين الماليين في محادثات تخطيط التركة مع أبنائهم.
بيد أن هذا الإشراك لا يعوّض غياب الحوار العائلي المباشر؛ فالرقم نفسه الذي يُفيد بمشاركة المستشارين يقابله رقم آخر لا يقل أهمية، وهو أن ثلث الورثة فقط يُعدّون "مستعدين جدًا" للتسلّم.
ونقل 124 تريليون دولار المتوقع خلال العقود المقبلة لن يكون رحلة مالية وحسب، بل رحلة في بناء الثقة بين الأجيال.
