الاستثمار في الأصول الفاخرة.. لماذا يتجه الأثرياء لشراء الساعات واللوحات الفنية للتحوط ضد التضخم؟
يضخ كبار المستثمرين مزيدًا من أموالهم في الأصول الفاخرة، من ساعات وجواهر ولوحات فنية وحقوق موسيقية، مدفوعين بالقلق من التضخم والتقلبات الجيوسياسية.
وأحدث استطلاع أجرته مؤسسة BNY Wealth على 290 مكتب عائلي منفرد يشرف على ثروات تفوق 250 مليون دولار في الأصول القابلة للاستثمار كشف عن تحول ملحوظ في استراتيجيات التخصيص، يعكس مخاوف متصاعدة تتشابك فيها الاقتصاد والذوق معًا.
حجم تحول مكاتب العائلات للأصول الفاخرة
شهد الاستطلاع ارتفاعًا لافتًا، إذ أفاد ما يقارب ثلثي المكاتب العائلية المشاركة بامتلاكها أصولًا غير مرتبطة ببرامجها الاستثمارية الأشمل، وهو ما يكاد يضاعف حجم المشاركين في العام الماضي، وشمل ذلك استثمارات في ساعات، وجواهر، وفن، وفرق رياضية، وحقوق موسيقية.
ويرى تشاك لونج، رئيس الأسواق الدولية ومكاتب العائلات في BNY Wealth، أن بعض هذه الأصول "توفر حماية من التضخم من خلال مرونة التسعير والتدفقات النقدية المتكررة". غير أن الفئات الأسرع نموًا سنويًا لم تكن تلك التي تدر تدفقات نقدية، بل كانت الأصول الملموسة كالساعات والجواهر والفن.
من هذه الزاوية، قد لا يختلف شراء باتيك فيليب عن شراء الذهب، إذ يؤدي الاثنان وظيفة مخزن قيمة ملموس يقاوم التقلبات وضغوط التضخم. التضخم واحتمالات الخطأ في قرارات البنوك المركزية صدرا قائمة المخاطر التي يتوقعها هؤلاء المستثمرون خلال السنوات الخمس المقبلة.
ماذا تقول أرقام الأصول الفاخرة في 2025؟
انتهى عام 2025 بأداء متفاوت بين الفئات؛ إذ تراجع مؤشر نايت فرانك للاستثمار في الفاخر، الذي يرصد 10 فئات من المقتنيات، بنسبة 0.4% فحسب، فيما أثبتت قطاعات عدة صمودها.
وتصدّر الفن الرفيع المشهد بارتفاع 11% في مبيعات كبرى دور المزادات، قادتها صفقة بيع لوحة "Bildnis Elisabeth Lederer" لجوستاف كليمت بـ236.4 مليون دولار في مزاد سوذبيز نوفمبر الماضي.
وصعدت أسعار الساعات 5.1%، مدعومةً باسمين يهيمنان على السوق الثانوية: باتيك فيليب بارتفاع 12.1%، ورولكس بارتفاع 4.6%.
وسجّل سوذبيز مبيعات قياسية للنصف الأول من عام 2026 بلغت 4.4 مليار دولار، ارتفاعًا بنسبة 58% على أساس سنوي.
وأفادت تقارير CNBC بأن المستهلكين الأثرياء يُقبلون بصورة متزايدة على شراء الجواهر، لا سيما الأحجار الكريمة الملونة، بوصفها استثمارات.
مدى فاعلية الأصول الفاخرة ضدالتضخم
تقدم الأبحاث طويلة الأمد صورة مختلطة؛ إذ تناولت دراسة عام 2021، أعدّها كامبيل هارفي من جامعة ديوك وباحثون في مجموعة مان، ثماني حقب تضخمية أمريكية من الحرب العالمية الثانية حتى مرحلة ما قبل الأزمة المالية عام 2008، وأظهرت أن الفن حقق عائدًا فاق التضخم بنحو 7% سنويًا، والطوابع البريدية بـ9%.
بيد أن دراسة نشرتها مجلة Applied Economics عام 2025 وجدت أن الفن يعوّض التضخم على المدى البعيد في فرنسا، لكنه لا يفعل ذلك في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة.
وخلص كريدي سويس بالتعاون مع ديلويت برايفيت عام 2022 إلى أن حقائب شانيل والفن الصيني التقليدي والساعات أثبتت صمودًا في بيئات التضخم المرتفع، بينما يعاني الفن المعاصر الأمريكي وفن أمريكا اللاتينية في الظروف ذاتها.
لماذا ترتبط قيمة الفن بثروات أصحابه؟
لا تُقيَّم الأصول الفاخرة كالفن بالمعايير المالية المعتادة وحدها؛ فاستند الاقتصادي بنيامين مانديل في ورقة بحثية نشرها عام 2009 في مجلة American Economic Review إلى أن قيمة الفن تنبع من متعة التذوق الجمالي جنبًا إلى جنب مع الإشارة إلى الثروة، وهو ما يعرفه الاقتصاديون "بالاستهلاك اللافت" أو conspicuous consumption بحسب مصطلح عالم الاجتماع ثورستين فيبلن.
تتضافر أبحاث ويليام جوتزمان ولوك رينبوج وكريستوف سبانييرز الصادرة في American Economic Review عام 2011 على أن أسعار الفن الرفيع تتحرك وفق إنفاق الأثرياء لا وفق متوسط القدرة الشرائية.
وهو ما يعكس ما يسميه الاقتصاديون اقتصاد "الشكل الكافي K-shaped"، حيث سجّلت الأسر التي تتجاوز دخولها 125,000 دولار نموًا فعليًا متراكمًا في الإنفاق بلغ 7.6% حتى مارس 2026، مقارنةً بأقل من 1% للأسر ذات الدخل دون 40,000 دولار.
في هذا السياق نفسه، تبقى قيمة الأصول الفاخرة مرتبطة بقدرة أصحابها على امتلاك ما يعجز عنه سواهم. وكما كتب آندي وارهول في كتابه الصادر عام 1975 The Philosophy of Andy Warhol: "أحب المال حين يُعلَّق على الجدار".
