ثروات الذكاء الاصطناعي ومتلازمة الثروة المفاجئة 2.0.. الثراء يخلق أزمة نفسية صامتة
أنتجت طفرة الذكاء الاصطناعي نحو عشرة آلاف شخص تجاوزت ثرواتهم 20 مليون دولار، بحسب تقديرات متداولة في أوساط وادي السيليكون.
بيد أن هذا الثراء لم يأتِ بالسعادة التي توقعها أصحابه، إذ يجد كثيرون منهم أنفسهم في مواجهة أزمة نفسية صامتة يصفها المعالجون المتخصصون بـ"متلازمة الثروة المفاجئة" في نسختها الثانية.
ما متلازمة الثروة المفاجئة 2.0؟
ظهر هذا المصطلح أول مرة في تسعينيات القرن الماضي حين أسس المعالجان النفسيان جوان ديفوريا وستيفن جولدبارت معهد "المال والمعنى والاختيارات" لمساعدة من منحتهم طفرة الإنترنت الأولى ثرواتٍ لم يتوقعوها؛ لكن المتلازمة عادت اليوم بزخم مضاعف، وباتت أكثر تعقيدًا وفق ما أكده المعالجان أخيرًا.
ما يُميّز هذه الموجة أن أصحابها يجنون ثرواتهم من تقنية يراها كثيرون تهديدًا وجوديًا لسوق العمل، وقد حذّر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، من أن الذكاء الاصطناعي قد يُزيح نصف الوظائف المكتبية المبتدئة، ما يُثقل كاهل الأثرياء الجدد ويجعل الحديث عن ثرواتهم أمرًا عسيرًا في محيط يشعر بالتهديد.
وقالت ديفوريا لمجلة The Cut: "كيف تتحدث مع أصدقائك وكل العالم يقول إن ما تصنعه سيقتلني أو يسرق وظيفتي؟".
وتُضيف أن ما يعيشه هؤلاء يتجاوز بمراحل ما شهدته طفرات الثراء السابقة، لأن الشعور بالذنب يتشابك هذه المرة مع القلق من الأثر الاجتماعي للتقنية نفسها.
علاقة ثروة الذكاء الاصطناعي بالعزلة الاجتماعية
رصدت قوائم الثروة الدولية في مارس من هذا العام 86 مليارديرًا مرتبطًا بقطاع الذكاء الاصطناعي بثروات مجمّعة تبلغ 2.9 تريليون دولار، من بينهم 45 وجهًا جديدًا عبروا عتبة المليار خلال عام واحد.
وكشف تقرير صحيفة The Wall Street Journal في مايو أن أكثر من 600 موظف حالي وسابق في OpenAI باعوا 6.6 مليار دولار من أسهمهم، وغادر نحو 75 منهم بعد بيع الحد الأقصى بـ30 مليون دولار لكل منهم.
غير أن هذا الثراء يأتي مقرونًا بعزلة اجتماعية متصاعدة، وفسر جولدبارت ذلك بأن من اكتسبوا ثرواتهم من الذكاء الاصطناعي باتوا يشكّلون ثقافةً فرعيةً منغلقة على نفسها، ما يُعمّق الهوّة بينهم وبين محيطهم السابق.
وتسير هذه العزلة جنبًا إلى جنب مع غياب الشعور بالهدف، وهو ما وصفه أحد شركاء Menlo Ventures بـ"افتقار عميق للغاية"؛ كما أن الأعراض لا تقتصر على الشعور بالذنب أو الضياع، بل تمتد إلى صعوبة إقامة علاقات حقيقية.
لذا لا يجد الأثرياء الجدد سياقًا اجتماعيًا مريحًا للحديث عن ثرواتهم، ومن ثم يلجؤون إلى الانكفاء على دوائر مغلقة من الأقران الذين يشاركونهم الوضع المادي نفسه.
صناعة تعالج ألم الأثرياء
نشأت حول متلازمة الثروة المفاجئة صناعة خدمات متخصصة تستهدف هذه الشريحة بأثمان باهظة، ومن أبرز مزوديها مجموعة TIGER 21، وهي مجموعة أقران تفرض على الراغبين في الانضمام إليها امتلاك أصول استثمارية لا تقل عن 20 مليون دولار، وتلتقي في جلسات شهرية تمتد يومًا كاملاً.
أما عيادة Paracelsus Recovery في زيوريخ فتوفر طاهيًا خاصًا وسائقًا ومعالجًا مقيمًا مقابل نحو 131,000 دولار أسبوعيًا، فضلًا عن استشارية رعاية صحية تبدأ رسومها من 30,000 دولار مقابل 50 ساعة.
وبحسب مجلة Fortune، بلغ عدد شركات الذكاء الاصطناعي غير المدرجة التي تتجاوز قيمتها مليار دولار 498 شركة بقيمة مجمّعة تناهز 2.7 تريليون دولار، وهو رقم يعكس حجم الثروات المتاحة لمن هم في قلب هذه الصناعة، ويُفسّر في الوقت نفسه لماذا باتت "صناعة معالجة الأثرياء" مجالًا قائمًا بذاته.
متلازمة الثروة المفاجئة بين العلاج والانغلاق
في مواجهة هذا الواقع، يحاول ديفوريا وجولدبارت دفع موكليهم نحو بناء "منظومة قيم عملية" تشمل التطوع والتبرع والانخراط في المجتمع؛ إذ يجلسان مع كل عميل في جلسة أولى تمتد ست ساعات لتحديد أهداف ملموسة تمنح الثروة معنى يتجاوز الرقم.
بيد أن الأكثر انغلاقًا نادرًا ما يطرقون أبواب العلاج، وتصف ديفوريا أسرة من المليارديرين انتقلت من الشعور بالذنب إلى اقتناء اليخوت والطائرات، والانتقال للعيش في محيط من الأثرياء، مخبرةً إياها أنها وجدت "ناسها" الذين لا تحتاج بينهم إلى إخفاء شيء.
ويصف جولدبارت هذا التوجه بوصفه "مشكلة اجتماعية كبرى" تدفع المجتمعات نحو انقسام حاد بين فئتين لا تكاد إحداهما ترى الأخرى.
والأثر ممتد عبر الأجيال؛ إذ تُشير ديفوريا إلى أن أثرياء الذكاء الاصطناعي يربّون أبناءً لم يغادروا حدود مجمعاتهم المحروسة، ولا يعرفون كيف تبدو الحياة خارجها.
