كيف تعرف أنك تعاني "الوحدة في الزحام"؟ علامات نفسية خفية
الشخص الأكثر وحدة في الغرفة ليس من يجلس صامتًا في الزاوية، بل من يعرف الجميع ويضحك بصوت عالٍ ثم يعود إلى صمت اعتاده حتى كاد لا يلاحظه، فتلك الوحدة في الزحام أصعب رصدًا لأنها تختبئ خلف ما يبدو حياةً اجتماعيةً حافلة.
الفرق بين العزلة الاجتماعية والوحدة
وفقًا لما نشر في موقع Bolde، الوحدة والعزلة ليستا المشكلة نفسها، والخلط بينهما هو ما يُبقي هذا النوع من الوحدة في الزحام بعيدًا عن الأنظار.
وقد يمضي شخص قد يمضي يوم الأحد كاملاً بمفرده، يقرأ ويمشي ويطهو لنفسه، دون أن يشعر بنقص، لأن عزلته مختارة وتشبه بابًا مفتوحًا يخرج منه متى أراد.
وفي المقابل، قد يقضي شخص آخر ليلة الجمعة وسط 30 شخصًا في حفلة، ثم ينصرف بإحساس غريب بأن كل ذلك لم يلمسه؛ رغم أن الحشد كان موجودًا والحديث لم ينقطع، لكن حين وصل إلى سيارته لم يستطع أن يتذكر لحظةً رآه فيها أحدٌ كما هو فعلاً، لا كالنسخة الجذابة التي أحضرها معه.
هذا هو الفارق الذي تكتب عنه عالمة النفس كاميل بريستون: الفرق بين العزلة الاجتماعية أي قِلّة التواصل، والوحدة في الزحام التي تعني أن التواصل الموجود لا يبدو كافيًا؛ فالمفكرة المحشوة بالمواعيد لا تعالج الشعور الثاني، بل قد تمنحه مكانًا للاختباء.
معنى القرب الحقيقي
تتبدّى الوحدة في الزحام لدى الفرد الذي يتولّى إدارة التواصل في المناسبات؛ فيُعرّف بين الغرباء، ويملأ فترات الصمت، ويبادر بالسؤال عن الجميع دون أن يكشف شيئًا عن حياته الشخصية.
وتنتهي مثل هذه اللقاءات بمعرفته أدق تفاصيل الآخرين، في مقابل جهل الجميع بأي مستجدات تخصّه.
ولفت عالم النفس إدوارد هوفمان في جامعة يشيفا في نيويورك، في كتاباته عن أعمال سيدني جورارد، إلى أن القرب الحقيقي لا ينشأ إلا حين يكشف الشخص شيئًا حقيقيًا عن نفسه ويشعر بأن الآخر فهمه.
وكان جورارد قد أطلق على هذه الظاهرة مصطلح "الإفصاح عن الذات"، محددًا إياها في الرغبة الصادقة بأن يُدرَك الإنسان على حقيقته لا أن يُقدّم أداءً ظاهريًا؛ إذ يرى أن غياب هذا الإفصاح يجعل الآخرين يتعرفون على الأوجه السطحية لشخصية الفرد دون النفاذ إلى مخاوفه وعمقه النفسي.
ما الذي يحدث بعد انتهاء الحفلة؟
يتجلى جوهر الوحدة في الزحام في اللحظة التي تلي انقضاء الصخب الاجتماعي؛ إذ يعود الفرد بمفرده في سيارته بعد سهرة كان فيها محط اهتمام الجمع وضحكهم، ليواجه صمتًا تامًا وهاتفًا ساكنًا لا ينتظر منه اتصالاً، رغم يقينه بأن العشرات مستعدون للرد لو بادر بالاتصال.
ورغم وجود أدلة مستمرة على قبوله ورغبة الآخرين في وجوده عبر دعوات المناسبات والمجموعات، إلا أنه يفتقر إلى أي دليل على وجود من يعرف حقيقته.
وعندما يتلقى سؤالاً عميقًا مثل "كيف حالك حقًا؟"، تتردد نفسه في الإجابة الصادقة، قبل أن يستدرك الأمر بابتسامة سريعة تغلق باب الإفصاح وتُعيد كل شيء إلى ظاهره.
أمضى عالم النفس جيمس غروس في جامعة ستانفورد عقودًا يدرس ما يحدث حين يعتاد الناس كبت مشاعرهم، وأثبت بحثه أن ذلك يرتبط بعلاقات أقل عمقًا ودعم اجتماعي أضعف ورفاهية نفسية أدنى؛ فالناس من حوله لم يقصّروا، لكنهم لم يُعطَوا سببًا ليتفحصوا ما وراء تلك الابتسامة.
هل كل من يملأ الغرفة يعاني الوحدة في الزحام؟
لا يعني كون الشخص صاخبًا أو مرحًا أو محاطًا دائمًا بالناس أنه يعاني بالضرورة من الوحدة في الزحام أو يتألم في الخفاء؛ فبعض الناس يرتاحون للعلاقات الخفيفة ولا يحتاجون لكل صداقة أن تغوص في الأعماق، وهم مكتفون بمعرفة كثير من الناس بصورة عابرة وليس في ذلك نقص.
من يمضي وقته وحيدًا قد يعاني الوحدة بأشكال أخرى، والشقة الهادئة وعطلة نهاية الأسبوع الخالية قد تكون فعلًا ما تبدو عليه؛ فالوحدة لا تخص نوعًا واحدًا من الناس، وعدد الدعوات وخطط الجمعة لا يكفي لمعرفة مدى شعور أحدهم بالارتباط الحقيقي.
وتتجسّد صورة العزلة الخفية في التباين الصارخ بين المظهر الاجتماعي الحافل والشعور الداخلي؛ إذ يظهر الفرد وسط صخب الجمع وهاتفه المكتظ بالمكالمات، بينما ينتقل بعد وقت قصير إلى عزلة تامة في بيته دون حتى أن ينزع معطفه.
وتتضح المشكلة هنا في عدم حاجته إلى المزيد من المحادثات أو الأشخاص، بل إلى مساحة آمنة تحرره من عبء التسلية والتصنع أمام الآخرين.
