أضرار شاشات الهواتف على العين.. حقائق علمية تفصل بين الوهم والحقيقة
يُسبب الهاتف الذكي أضرارًا حقيقية للعينين، وإن كانت أقل إثارةً مما تروّج له العناوين المبالغة؛ حيث تتوزع هذه الأضرار بين ظواهر مؤقتة وأخرى تراكمية، والفيصل بينها يكمن في فهم ما تقوله الأبحاث فعلاً، لا ما تختزله التقارير الشعبية من نتائج معملية مجتزأة.
"العمى الليلي" المؤقت.. ظاهرة فسيولوجية بدون ضرر
يرصد الأطباء حالات يفقد فيها الشخص الرؤية في عين واحدة لدقائق بعد استخدام هاتفه ليلاً، وتُعرف هذه الحالة "بالعمى الهاتفي العابر".
ويعود السبب إلى الاستلقاء على الجانب وتغطية إحدى العينين بالوسادة بينما تتكيف الأخرى مع ضوء الشاشة، فتتباين درجتا تكيّفهما مع الضوء.
تنتهي الظاهرة من تلقاء نفسها خلال دقائق دون أي تلف في الأنسجة؛ إذ بيد أن ما نبّه إليه الباحثون أن أعراضها تحاكي أعراض نوبات نقص التروية الدماغية العابرة، ما قد يدفع إلى زيارات طارئة غير ضرورية واختبارات تشخيصية مكثفة.
ويكفي لتجنّبها أن تُبقي كلتا عينيك مفتوحتين خلال استخدام الهاتف في الظلام، فرغم غياب الضرر الفعلي، تظل هذه الحالة نموذجًا على كيفية تحوّل الظواهر الفسيولوجية البسيطة إلى مصدر هلع طبي غير مبرر.
الضوء الأزرق والشبكية.. فجوة كبيرة بين المختبر والواقع
أثبتت الدراسات المعملية أن الضوء الأزرق ذا الأطوال الموجية بين 415 و455 نانومترًا يتسبب في أضرار جسيمة لخلايا الشبكية؛ إذ كشفت دراسة أن تعريض الخلايا الداعمة لشبكية العين لضوء LED أفضى إلى انخفاض حيويتها بين 75 و99%، مع ارتفاع ملحوظ في الموت الخلوي المبرمج وتلف الحمض النووي.
غير أن السياق يُقلب هذه النتيجة رأساً على عقب؛ فحين قيس مستوى الضوء الأزرق الصادر فعلاً عن شاشات الهواتف وقورن بحدود السلامة الدولية، لم يقترب أي منها من العتبات الخطرة، بل ظل الأثر أدنى مما تتعرض له العين من النظر إلى السماء الزرقاء، وفق ما نشرته مجلة Eye.
وتقع معظم التقارير المثيرة في خطأ تقديم الآلية على أنها الجرعة ذاتها، في حين أن الجرعة الفعلية من شاشة الهاتف تقل بمراحل عما يلزم لإعادة إنتاج ضرر المختبر؛ لذا، فإن الخطر الأزرق الحقيقي لا يتعلق بالشبكية، بل بتأثير مغاير سيرد لاحقًا.
الجفاف والتعب البصري.. العدو الصامت للعينين
يتراجع معدل الرمش تراجعًا حادًا أثناء التحديق في الشاشة، وهو المسبب الرئيس لجفاف العينين؛ حيث رصدت دراسة على الأطفال أن معدل الرمش انخفض من نحو 21 رمشة في الدقيقة خلال المحادثة العادية إلى نحو تسع رمشات خلال الدقيقة الأولى من لعب الهاتف، واستمر هذا الانخفاض طوال ساعة كاملة.
يُقلص هذا الانخفاض الغطاء الدمعي الذي يُرطّب سطح العين، ما يُفضي إلى جفاف مزمن قابل للعلاج، ويُضاف إلى ذلك إجهاد عضلة الهدبية حين تُجبر على الانقباض المستمر للتركيز على شاشة تبعد بين 30 و50 سنتيمترًا لساعات متواصلة.
وينجم عن هذا الإجهاد متلازمة إجهاد العين الرقمي، وتشمل الصداع وتشوش الرؤية وثقل الجفنين وصعوبة التركيز على الأجسام البعيدة.
وأظهرت دراسة متخصصة في طب وجراحة العيون أن نحو ثلث المستخدمين تبقى حدقتهم منقبضة بعض الوقت عقب انتهاء النشاط القريب، في ما يشبه توقف المنظومة البصرية مؤقتاً على وضع "التقريب".
الأطفال وقصر النظر.. حين تتمدد المقلة فعلاً
تقدم أبحاث قصر النظر الأدلة الأقوى على تأثير الهاتف الذكي في بنية العين لا وظيفتها فحسب؛ توصلت دراسة مستقبلية إلى أن استخدام الهاتف المتزايد لدى الأطفال ارتبط بتفاقم قصر النظر واستطالة المحور البصري للمقلة، وهو تغيير هيكلي لا يعود إلى طبيعته.
في المقابل، يُعد قضاء الوقت في الهواء الطلق عاملاً وقائيًا فاعلاً؛ إذ يُحفّز الضوء الساطع إفراز الدوبامين في الشبكية، استطالة كرة العين.
ويُشير البحث إلى أن المشكلة ليست الهاتف منفردًا، بل ساعات الإغلاق الداخلي على أجسام قريبة بدلاً من الخروج في الضوء الطبيعي.
وقصر النظر الحاد، وإن لم يكن عمى، يرفع أخطار انفصال الشبكية والجلوكوما والضمور البقعي في مراحل متقدمة من العمر.
