ماركوس راشفورد.. مسيرة تتجاوز الملاعب إلى الاستثمار والتأثير المجتمعي
من الملاعب التي تصنع النجوم، إلى عوالم المال والأعمال، تتعدد الطرق التي يمكن أن يسلكها لاعب كرة القدم في رحلته نحو النجاح.
مع ماركوس راشفورد، تتسع الحكاية لتجمع بين طموح رياضي تصقله المنافسة، وتجربة إنسانية تمس حياة الأطفال، ورؤية اقتصادية تسعى إلى بناء مستقبل يمتد إلى ما بعد سنوات التألق.
وفي ذكرى ميلاده الـ29، دعونا نقترب من حكاية اللاعب الإنجليزي، ونكتشف فصول رحلته بين أمجاد المستطيل الأخضر وبصمته التي امتدت إلى المجتمع.
انطلاقة استثنائية من بوابة مانشستر يونايتد
وُلد ماركوس راشفورد في مدينة مانشستر يوم 31 أكتوبر 1997، وانضم في طفولته إلى أكاديمية مانشستر يونايتد، حيث تدرّج عبر الفئات السنية حتى اقترب من تحقيق حلمه باللعب للفريق الأول.
ورغم أن أكاديميات الأندية الكبرى تخرّج كل عام مواهب عديدة، فإن الوصول إلى الفريق الأول وفرض الحضور في سن مبكرة يظل إنجازًا لا يحققه كثيرون.
كان راشفورد على موعد مع هذه الفرصة في فبراير 2016، حين دفع به مانشستر يونايتد إلى التشكيلة الأساسية أمام ميتلاند الدنماركي في الدوري الأوروبي، ليخطف الأنظار بتسجيل هدفين في ظهوره الأول.
وبعد أيام قليلة، أكد المهاجم الشاب أن تألقه لم يكن مجرد بداية عابرة، بعدما كرر الثنائية في ظهوره الأول بالدوري الإنجليزي الممتاز أمام أرسنال.
ليتحول راشفورد خلال فترة قصيرة من موهبة صاعدة في أكاديمية النادي إلى أحد أبرز الوجوه الشابة في مانشستر يونايتد، فاتحًا الباب أمام مسيرة حملت الكثير من الإنجازات والتحديات.
وعلى امتداد المواسم التالية، واصل النجم الإنجليزي تعزيز مكانته داخل الفريق، حتى ارتدى القميص رقم 10، الذي يحمل دلالة خاصة في تاريخ النادي.
فيما بلغ أفضل مواسمه على المستوى التهديفي في 2022-2023، حين سجّل 30 هدفًا في مختلف المسابقات، وهي أعلى حصيلة له في موسم واحد، ونال جائزة السير مات بازبي لأفضل لاعب في مانشستر يونايتد بتصويت الجماهير.
لكن مسيرة راشفورد لم تواصل صعودها بالوتيرة نفسها؛ فمع تراجع مستواه وتزايد الضغوط في مانشستر يونايتد، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل بعيدًا عن النادي الذي نشأ فيه.
بعد غيابه عن العديد من مباريات مانشستر يونايتد، انتقل معارًا إلى أستون فيلا في النصف الثاني من موسم 2024-2025، قبل أن يخوض تجربة جديدة مع برشلونة في يوليو 2025، بموجب إعارة لموسم كامل تتضمن خيار الشراء.
وفي برشلونة، وجد راشفورد فرصة لبدء صفحة جديدة تحت قيادة هانزي فليك، بعيدًا عن الأجواء التي أحاطت بسنواته الأخيرة في إنجلترا.
أسهم مع النادي الكتالوني في 28 هدفًا خلال مختلف المسابقات، لكن التجربة لم تنتهِ بتحويل الإعارة إلى انتقال دائم، ليعود راشفورد إلى منزله في مانشستر على أمل استعادة مستواه المعهود وحجز مكان أساسي مع الشياطين الحمر.
من تجربة شخصية إلى معركة ضد جوع الأطفال
خلف الصورة التي ارتبطت بماركوس راشفورد داخل الملاعب، تقف تجربة شخصية أسهمت في تشكيل نظرته إلى الفقر، ودفعته إلى توظيف شهرته في الدفاع عن الأطفال والأسر التي تواجه صعوبات في تأمين احتياجاتها الأساسية.
نشأ النجم الإنجليزي في أسرة اعتمدت خلال طفولته على الوجبات المدرسية المجانية، وهو ما منحه فهمًا مباشرًا للدور الذي يمكن أن تؤديه برامج الدعم الاجتماعي في حياة الأطفال، خصوصًا حين لا تسمح الظروف الاقتصادية لأسرهم بتوفير كل ما يحتاجون إليه.
تحوّل هذا الوعي إلى تحرك عملي عام 2020، خلال جائحة كوفيد-19، عندما أثار إغلاق المدارس مخاوف من فقدان أطفال كثيرين إمكانية الحصول على الوجبات التي كانوا يعتمدون عليها خلال اليوم الدراسي.
في وقت كانت فيه الأسر تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة، انضم راشفورد إلى جهود مكافحة الجوع، وتعاون مع مؤسسة FareShare البريطانية، المتخصصة في إعادة توزيع فائض الطعام الصالح للاستهلاك على المؤسسات الخيرية التي تخدم المحتاجين.
وأشارت FareShare إلى أن التبرعات التي جمعها راشفورد ومتابعوه خلال الفترة الأولى من تعاونهم مع المؤسسة موّلت إعادة توزيع ما يعادل أكثر من 21 مليون وجبة، وفق بيانات نشرتها المؤسسة في مارس 2021.
توضح هذه النتيجة كيف يمكن لتحرك يقوده شخص يتمتع بشهرة واسعة أن يسهم في تحويل قضية اجتماعية إلى جهود تمويل وتوزيع ملموسة، بدلًا من بقائها مجرد موضوع للنقاش.
وكان الاعتراف الرسمي بجهوده أحد أبرز ملامح هذه التجربة؛ إذ حصل راشفورد على وسام الإمبراطورية البريطانية بدرجة عضو (MBE) تقديرًا لأعماله المجتمعية، كما مُنح درجة دكتوراه فخرية من جامعة مانشستر.
لكن الأهم في تجربته لم يكن التكريم وحده، بل إظهاره أن اللاعب يستطيع استثمار المكانة التي تمنحها له الرياضة للدفاع عن قضية ترتبط مباشرة بالمجتمع.
أبعد من التبرعات.. التأثير في التعليم وصناعة التغيير
إذا كانت مكافحة جوع الأطفال هي القضية التي منحت ماركوس راشفورد حضوره الأبرز خارج الملاعب، فإن التعليم والقراءة شكّلا امتدادًا طبيعيًا لهذا الدور.
بالنسبة إلى اللاعب الإنجليزي، لا تتوقف الفوارق الاجتماعية عند قدرة الأسرة على توفير الطعام، بل تمتد إلى فرص الأطفال في الوصول إلى الكتب، وتطوير مهاراتهم، واكتشاف آفاق جديدة قد تؤثر في مستقبلهم.
ومن هنا، أطلق راشفورد بالتعاون مع دار ماكميلان لكتب الأطفال، وبالشراكة مع جهات معنية بمحو الأمية، نادي ماركوس راشفورد للكتاب عام 2021، بهدف تشجيع الأطفال على القراءة وإيصال الكتب المجانية إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
جاءت المبادرة انطلاقًا من تجربة شخصية؛ إذ تحدث راشفورد عن أن القراءة لم تصبح جزءًا مؤثرًا من حياته إلا في سن السابعة عشرة، وأن الظروف الاقتصادية التي عاشتها أسرته جعلت شراء الكتب أمرًا يصعب إعطاؤه الأولوية مقارنة بالاحتياجات الأساسية.
ووفقًا للمعلومات المنشورة عن المشروع، تجاوز عدد الكتب المجانية التي وصلت إلى الأطفال عبر النادي 100 ألف كتاب في مرحلة مبكرة من المبادرة، ثم أعلنت جهات مشاركة في المشروع لاحقًا توزيع أكثر من 325 ألف كتاب منذ انطلاقه، بما يعكس اتساع نطاقه خلال السنوات الأولى.
ولم يقتصر دوره على تشجيع الأطفال على القراءة، بل امتد إلى المشاركة في الكتابة؛ إذ شارك راشفورد في تأليف سلسلة كتب الأطفال The Breakfast Club Adventures، التي تدور حول المغامرة والحياة المدرسية، وتستهدف جذب القراء الصغار إلى عالم الكتب. وبهذه الخطوة، انتقل من دعم إتاحة الكتب إلى المساهمة في إنتاج محتوى موجّه للأطفال أنفسهم.
تعكس هذه المبادرات اتساع مفهوم المسؤولية الاجتماعية لدى راشفورد؛ فإلى جانب الاستجابة للاحتياجات العاجلة، مثل الجوع، اتجه إلى دعم فرص التعليم والقراءة، وهما مجالان يمكن أن يؤثرا في خيارات الأطفال ومستقبلهم.
وهكذا، لم تعد جهوده مقتصرة على تخفيف آثار الظروف الاقتصادية الصعبة، وإنما امتدت إلى محاولة توسيع الفرص المتاحة أمام الجيل الجديد.
إمبراطورية خارج المستطيل الأخضر.. الاستثمارات والعلامة التجارية
عمر اللاعب في الملاعب محدود مهما بلغت عوائده، وراشفورد بدا واعيًا بذلك مبكرًا، إذ وزّع جزءًا من دخله على أنشطة عقارية وتجارية تمنحه مصادر مالية لا تتوقف على ما يحدث فوق العشب.
وتحمل أغلب شركاته في السجلات البريطانية الاختصار MUCS، وتتوزع بين العقارات والاستثمار في الشركات وإدارة حقوق الصورة.
يشكّل العقار الركيزة الكبرى في هذه المنظومة، وتقوم عليه شركة MUCS Properties Limited التي تأسست في بريطانيا عام 2017، ويشمل نشاطها المسجل تأجير العقارات المملوكة أو المستأجرة وإدارتها.
تضم محفظتها 11 عقارًا استثماريًا في مانشستر، وتبلغ قيمة أصولها نحو 8.2 مليون جنيه إسترليني، ووجود هذه العقارات في مدينته الأم يجعل الشركة امتدادًا لعلاقته بمانشستر، ويضع جزءًا من ثروته في أصل ملموس يختلف عن إيرادات الملاعب.
أما الجانب المالي الأوسع فيمرّ عبر شركة MUCS Investments Limited، التي يظهر راشفورد في سجلات الشركات البريطانية مديرًا لها، وقد تأسست في يناير 2021 ويشير نشاطها المسجل إلى أنشطة شركات الاستثمار المفتوحة.
وإلى جانب العقارات اتجه راشفورد إلى قطاعات لا صلة لها بالرياضة، في أغسطس 2024 انضم إلى قائمة المستثمرين في Nala’s Baby، وهي علامة بريطانية تقدم منتجات ومستحضرات ترطيب للعناية بالأطفال.
وفي موازاة هذه الاستثمارات، تمثل حقوق الصورة والإعلانات مصدرًا آخر للعوائد التجارية المرتبطة بشهرته؛ إذ تُدار بعض مصالحه التجارية عبر شركة MUCS Enterprises Limited.
يختلف هذا النشاط عن الاستثمار المباشر في العقارات أو الشركات، لأنه يرتبط باستغلال اسمه وصورته في الأنشطة التجارية والإعلانية.
إذا نظرنا إلى هذه الأنشطة مجتمعة، نجد توجهًا واضحًا من راشفورد إلى تنويع الدخل خارج كرة القدم عبر ثلاثة مسارات: أصول عقارية، وحصص في شركات، وإدارة للحقوق التجارية.
ما بعد الملاعب.. إلى أين تتجه مسيرة راشفورد؟
يدخل ماركوس راشفورد، وهو في الثامنة والعشرين، مرحلة تتقاطع فيها حسابات الملعب مع أسئلة ما بعده: أين يستقر كرويًا، وكيف يحافظ على ما بناه خارجه من حضور ومبادرات.
بعد سنوات ارتبط خلالها اسمه بمانشستر يونايتد، ثم خوض تجربتين مع أستون فيلا وبرشلونة، باتت المرحلة المقبلة محطة مهمة لتحديد اتجاه مسيرته الكروية وترسيخ حضوره في المجالات الأخرى.
شكّلت تجربته مع برشلونة خلال موسم 2025-2026 فصلًا جديدًا في مسيرته، تزامن مع تتويج النادي بلقب الدوري الإسباني.
ومع انتهاء الإعارة وعودة اللاعب إلى مانشستر يونايتد في صيف 2026، تتجه الأنظار إلى دوره المقبل، وقدرته على استعادة الاستقرار الفني والحفاظ على مستوى يسمح له بالمنافسة في أعلى المستويات.
أما خارج الملعب، فتحتاج المرحلة المقبلة إلى قدرة على الحفاظ على المبادرات التي ارتبط بها اسمه وتطويرها، فحملاته المتعلقة بجوع الأطفال والقراءة منحته حضورًا مجتمعيًا يتجاوز نتائج المباريات، غير أن استمرار هذا الأثر يتطلب مؤسسات وشراكات وتمويلًا وأهدافًا قابلة للقياس، حتى يتحرر نجاحها من اعتماده على بقاء اللاعب تحت الأضواء.
ويطرح الجانب الاقتصادي سؤالًا آخر عمّا بعد الاعتزال: هل يواصل راشفورد توسيع أعماله التجارية والعقارية، أم يتجه إلى نشاط أكبر في المجال الاجتماعي، أم يجمع بين المسارين؟ لا توجد إجابة نهائية عن ذلك، لكن تنوع خبراته يتيح له بناء مسار لا يرتهن باستمرار ظهوره في الملاعب.
وبين المسارين تقدم تجربته مثالًا على أن قيمة لاعب كرة القدم لا تُقاس بما ينجزه في التسعين دقيقة وحدها، وإنما تمتد أيضًا إلى الطريقة التي يستثمر بها الفرص التي تمنحها له شهرته خارج الملعب.
