من الملاعب إلى الإعلام والأعمال.. فصول في مسيرة ياسر القحطاني
هناك لاعبون تُختصر مسيرتهم في الأهداف والبطولات، وآخرون تمتد حكاياتهم إلى ما بعد صافرة النهاية، حيث تبدأ فصول جديدة تكشف جوانب مختلفة من شخصياتهم وطموحاتهم.
ياسر القحطاني يأتي ضمن الأسماء التي ارتبطت بمرحلة بارزة في تاريخ الكرة السعودية، بعدما صنع لنفسه مكانة خاصة بقميص الهلال والمنتخب الوطني، قبل أن يخوض تجارب جديدة في الإعلام والأعمال، باحثًا عن مساحات مختلفة يواصل من خلالها حضوره بعيدًا عن أضواء الملاعب.
وفي ذكرى ميلاده، نستعيد أبرز محطات القحطاني، من انطلاقته الكروية وتألقه مع الهلال والمنتخب السعودي، مرورًا بقراره الاعتزال وتأسيس علامته التجارية، وصولًا إلى تجاربه الإعلامية الراهنة.
ياسر القحطاني.. هداف المنتخب وأسطورة الهلال
عند استحضار أبرز الأسماء التي تركت بصمة واضحة في تاريخ كرة القدم السعودية، يأتي على الذكر مباشرةً اسم ياسر القحطاني.
امتلك المهاجم السعودي حضورًا لافتًا أمام المرمى، وقدرة على صناعة الفرق في المواجهات الكبرى، وهي مقومات أسهمت في ترسيخ مكانته بين أبرز لاعبي جيله، وفتحت أمامه أبواب التألق محليًا وقاريًا.
انطلقت رحلته الاحترافية مع نادي القادسية، حيث بدأت موهبته في جذب الأنظار، قبل أن ينتقل إلى الهلال عام 2005 في صفقة مثّلت منعطفًا مهمًا في مسيرته.
ومع الهلال، توالت المحطات التي عززت مكانته لدى الجماهير، وأصبح اسمه حاضرًا في سجل النادي بفضل إسهاماته الهجومية ودوره في المنافسات المحلية والقارية.
على امتداد سنواته داخل أسوار "الزعيم"، خاض ياسر القحطاني 286 مباراة في مختلف المسابقات، سجل خلالها 128 هدفًا وصنع 29 آخرين، فيما أسهم في التتويج بعدد من البطولات المحلية، حيث توّج بخمسة ألقاب للدوري السعودي وسبعة ألقاب لكأس ولي العهد، إلى جانب كأس الملك مرتين في أعوام 2015 و2017.
أما على الصعيد الدولي، فقد حمل القحطاني قميص المنتخب السعودي في استحقاقات كبرى، من بينها كأس العالم 2006 التي استضافتها ألمانيا، وواصل حضوره في المنافسات القارية حتى بلغ المنتخب نهائي كأس آسيا عام 2007.
في العام نفسه، توّج بجائزة أفضل لاعب في آسيا، تقديرًا للمستويات التي قدمها خلال موسم شهد تألقه على المستويين المحلي والدولي.
وبنهاية مشواره داخل المستطيل الأخضر، امتلك القحطاني رصيدًا من الإنجازات والخبرات، إلى جانب مكانة جماهيرية واسعة جعلت اسمه حاضرًا في ذاكرة الكرة السعودية، ومهّدت أمامه الطريق لاستكشاف مجالات مهنية جديدة بعد الاعتزال.
متى بدأ ياسر القحطاني التخطيط لمرحلة ما بعد كرة القدم؟
سبق التفكير في المستقبل قرار ياسر القحطاني باعتزال كرة القدم عام 2019، إذ أشار النجم السعودي في تصريحات سابقة إلى أنه درس توقيت هذه الخطوة وحدد ملامح المرحلة المقبلة قبل الإعلان عنها.
ويعكس هذا التوجه حرصه على التعامل مع نهاية مسيرته الاحترافية باعتبارها قرارًا مهنيًا يستلزم الاستعداد المسبق، ولا سيما بعد سنوات طويلة قضاها في المنافسات المحلية والدولية.
وجاء الاعتزال في أعقاب مسيرة ارتبطت بمحطات بارزة مع نادي الهلال والمنتخب السعودي، وشهدت تتويجه بلقب الدوري السعودي عام 2018، ليغادر الملاعب بعد سنوات من الحضور في المشهد الكروي السعودي.
ومع اقتراب هذه المرحلة من نهايتها، كان القحطاني قد بدأ في رسم مسارات جديدة تتناسب مع طموحاته خارج المستطيل الأخضر.
في مقدمة هذه التوجهات، برزت علامته التجارية الخاصة Y20، التي مثّلت إحدى الركائز التي أراد تطويرها ضمن مشروعاته المستقبلية، بالتوازي مع اهتمامه بمجالات أخرى تمتد إلى الاستثمار والأعمال والإعلام.
وهكذا، ارتبط قرار اعتزال القحطاني برؤية أوسع لمستقبله المهني، تقوم على الاستفادة من خبراته المتراكمة ومكانته الجماهيرية في بناء حضور جديد داخل عالم الأعمال، مع الاحتفاظ بإرثه الرياضي بوصفه أحد أبرز فصول مسيرته.
Y20.. علامة شخصية في ثوب مشروع متكامل
في عام 2018، بدأ ياسر القحطاني فصلًا جديدًا في مسيرته بإطلاق هويته التجارية Y20، واضعًا أساسًا لحضور مهني يمتد إلى ما وراء كرة القدم.
جاءت هذه الخطوة قبل اعتزاله بنحو عام، في توقيت أتاح له البدء في استكشاف مجالات الأعمال وبناء تصورات لمشروعات تستند إلى خبرته الرياضية وقاعدته الجماهيرية، مع التطلع إلى تأسيس هوية تجارية تحمل اسمه وتفتح أمامه فرصًا متنوعة للتوسع.
وعندما استعرض القحطاني خططه للمستقبل، كشف عن توجه يقوم على مسارين متكاملين؛ أولهما تجاري، يشمل الاستثمار الرياضي والأزياء والأطقم الرياضية والإعلام والتأليف، ما يتيح للعلامة التحرك بين قطاعات تجمعها صلات بعالم الرياضة وصناعة المحتوى.
أما المسار الثاني، فيتخذ طابعًا اجتماعيًا وخيريًا، من خلال تنظيم مباريات خيرية وإطلاق مبادرات تستهدف الشباب، في توجه يربط بين حضوره الجماهيري وإمكانية توظيفه في أنشطة ذات بُعد مجتمعي.
وبذلك كشفت ملامح Y20 المعلنة عن طموح لبناء علامة شخصية تتعدد مجالات عملها، وتستفيد من الاسم الذي صنعه القحطاني خلال سنوات المنافسة داخل الملاعب.
تمثل هذه الرؤية مدخلًا لفهم طبيعة المرحلة التي أراد خوضها بعد الاعتزال، حيث تتسع دائرة اهتماماته لتشمل الأعمال والمبادرات الاجتماعية إلى جانب إرثه الرياضي.
من نجم الملعب إلى التحليل الرياضي.. تجربة ياسر القحطاني مع beIN SPORTS
منحته سنوات المنافسة داخل المستطيل الأخضر معرفة تفصيلية بإيقاع المباريات وحسابات المواجهات الكبرى، وهي خبرة وجد ياسر القحطاني لها امتدادًا طبيعيًا أمام الكاميرات، عبر تجربته مع شبكة beIN SPORTS.
من موقع المحلل الرياضي، أصبح القحطاني يتناول المباريات برؤية لاعب سبق له خوض المنافسات على أعلى المستويات، مستندًا إلى فهمه للتحركات التكتيكية، وأدوار اللاعبين، والعوامل التي تصنع الفرق في اللحظات الحاسمة.
وعلى مدار أربعة أعوام، امتدت تجربته الإعلامية عبر محطات كروية كبرى، انطلاقًا من كأس العالم 2022 في قطر، وصولًا إلى تغطية كأس العالم 2026.
أتاحت له هذه المرحلة مواصلة حضوره في المشهد الرياضي من زاوية مختلفة، تجمع بين الخبرة الميدانية والقراءة الفنية، وتمنحه مساحة لتقديم رؤيته بشأن أداء المنتخبات واللاعبين وتطور المنافسات الدولية.
ولكن في 6 أغسطس من هذا العام، أعلن القحطاني انتهاء رحلته مع الشبكة، موضحًا أن القرار جاء بناءً على رغبته الشخصية، وأنه يستعد لخوض تحدٍ إعلامي جديد.
وجاء الإعلان ليضع نهاية لمحطة مهنية استمرت أربعة أعوام، ويفتح الباب أمام مرحلة أخرى في مسيرته بعد الاعتزال، تتحدد ملامحها وفق طبيعة الخطوة المقبلة والمجال الذي سيختار التركيز عليه.
في النهاية، حملت هذه المحطة دلالة مهمة في مسيرة القحطاني؛ فقد أضاف العمل الإعلامي بُعدًا جديدًا إلى خبراته، مستفيدًا من رصيده كلاعب دولي ومن معرفته بمتطلبات المنافسة الاحترافية.
"بالخبرة مع ياسر القحطاني".. تجربة إعلامية جديدة في 2026
مع انتهاء رحلته مع شبكة beIN SPORTS، اتجه ياسر القحطاني إلى مساحة إعلامية تمنحه فرصة الاقتراب أكثر من تجارب اللاعبين أنفسهم، عبر بودكاست "بالخبرة مع ياسر القحطاني" الذي تقدمه منصة ثمانية.
يستند البرنامج إلى استضافة أسماء بارزة في كرة القدم السعودية، وفتح حوارات تستعيد محطاتهم الاحترافية، وتكشف تفاصيل من تجاربهم داخل الملاعب وخارجها، بما تحمله من قرارات مصيرية وتحديات وضغوط صنعت مساراتهم المهنية.
يمنح هذا القالب الحواري القحطاني دورًا مختلفًا عن مهمته السابقة في التحليل التلفزيوني؛ إذ يستثمر خبرته لاعبًا دوليًا وقائدًا سابقًا للهلال في إدارة نقاشات تتجاوز مجريات المباريات إلى العوامل التي تؤثر في مسيرة اللاعب وتشكّل أداء الفرق.
وتشمل الموضوعات المطروحة قضايا المنتخب السعودي، واختيارات الأجهزة الفنية، وعلاقة اللاعبين بالجماهير ووسائل الإعلام، إلى جانب استحضار المواقف التي يصعب اختزالها في الأرقام والنتائج وحدها.
ومن أمثلة ذلك حلقة نُشرت في 27 سبتمبر 2026، ناقشت أداء المنتخب السعودي والعوامل المؤثرة في بناء فريق قادر على الاستمرار.
بهذا المشروع، يواصل القحطاني بناء حضوره الإعلامي من خلال صيغة تعتمد على الحوار وتبادل الخبرات واستعادة القصص الشخصية بدلًا من التحليل المجرد.
الوجهة التالية في مسيرة ياسر القحطاني
تفتح التحولات الأخيرة في مسيرة ياسر القحطاني الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، خصوصًا بعد انتهاء رحلته مع شبكة beIN SPORTS، واتجاهه إلى تجربة حوارية جديدة عبر بودكاست "بالخبرة مع ياسر القحطاني".
لتبقى أمام القحطاني مسارات متنوعة يمكن أن تشهد توسعًا خلال الفترة المقبلة، بدءًا من الإعلام الرياضي وصناعة المحتوى، وصولًا إلى تطوير علامته التجارية Y20 واستكشاف فرص جديدة في قطاع الأعمال. ويظل تحديد الوجهة التي ستستحوذ على اهتمامه الأكبر مرهونًا بما سيكشف عنه من خطوات ومشروعات مستقبلية.
من هنا، تتجه الأنظار إلى الخطوة المقبلة التي سيختارها القحطاني، وما إذا كانت ستعزز حضوره الإعلامي الحالي أو تفتح أمامه مجالًا جديدًا يضيف إلى مسيرته بعد كرة القدم.
وهكذا، يواصل ياسر القحطاني رحلته خارج المستطيل الأخضر، مستهلًا فصلًا مختلفًا من مسيرته، تتحدد قيمته بما يقدمه من تجارب وإنجازات جديدة في عالم الإعلام والأعمال.
