النجاح والسعادة.. لماذا لا نشعر بالفرح بعد تحقيق أهدافنا؟
تمرّ سنوات طويلة وأنت لا تتوقّف عن السعي وراء هدف طالما حلمت بتحقيقه، وحين تصل إليه بعد كل هذا العناء، تغمرك سعادة لا مثيل لها. لكن الأيام تمضي، وتكتشف أن كل شيء عاد إلى طبيعته، وأن تلك السعادة لم تكن سوى لحظة عابرة.
هل النجاح هو ما يجعلك سعيدًا حقًا؟ ما الذي فاتك تحديدًا خلال رحلتك، فلم تجِد السعادة المرجوَّة حين أتت لحظة قطف الثمار؟
في اليوم العالمي للصحة النفسية، نحاول الوصول إلى أجوبةٍ شافية عن تلك الأسئلة، وما إذا كان النجاح يؤدي إلى السعادة أم أنّ العكس هو الصحيح.
الدوبامين وقود النجاح
للنجاح دوافع ذاتية، لكن شعور السعادة المُتوقَّع يتحكّم فيه الدوبامين؛ الناقل العصبي في الدماغ، الذي يُطلَق حين نتوقّع أو نحقّق شيئًا مُجزيًا، فهو يخلق لديك مشاعر المُتعة والرضا.
بل يعزّز الأفعال التي أدّت إلى المكافأة، ويجعل الدماغ يرغب في تكرارها مرة أخرى، وهذا ضروري خصوصًا عند التعامل مع الأهداف طويلة الأجل.
فالدوبامين لا ينشط فقط عندما تصل إلى هدفك، بل يُطلَق بينما تترقّب نجاحك وتتخذ كل يوم خطوة تجاهه، فالدماغ يظلّ منخرطًا عبر أسابيع وأشهر من الجهد، وليس فقط في لحظة النجاح.
لماذا لا تشعر بالسعادة بعد النجاح؟
إذًا ليس من المنطقيّ أن تجد نفسك حزينًا أو لست بالسعادة التي كُنت تتوقّعها بعد النجاح، ولكن الحقيقة أنّ هذا قد يحدث، ربّما للأسباب الآتية:
1. مغالطة الوصول (Arrival fallacy)
صاغ "تال بن شاهار" مصطلح "مغالطة الوصول"، وهو الحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد في السلوك التنظيمي.
ويُعرِّف تلك المغالطة، حسب صحيفة "نيويورك تايمز"، بأنَّها وهم شائع مفاده أنّ تحقيق هدف مُعيّن سيؤدي إلى السعادة، كما يُذكِّر أنّ مغالطة الوصول قد عاناها المشاهير وغيرهم من الأشخاص الناجحين الذين انتهى بهم الأمر إلى الإصابة بأمراض نفسية، حتى بعد تحقيق أحلامهم.
ويقول أيضًا إنّ الأشخاص حين يجدون أنّ النجاح لا يعالِج تعاستهم، فإنّهم لا يشعرون بخيبة الأمل فحسب، بل قد ينتهي بهم الأمر إلى الشعور باليأس والاكتئاب.
وليست هناك أبحاث كافية بشأن تلك الظاهرة، ولكن يُعتقَد أنّ الأمر مرتبط بمفهوم السعادة الذي يغرسه المجتمع في الفرد، وربطه بأهدافٍ خارجية لا بُدّ أن يلاحظها الناس، حتى لو لم تجلب السعادة الذاتية.
2. التكيّف مع المُتعة (Hedonic adaptation)
أيضًا هناك ظاهرة تُعرَف "بالتكيّف مع المُتعة"، وهي ميل الدماغ للبحث عن المستوى الأساسي من السعادة بعد أي حدثٍ مهم، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا.
فحين تحصل على ترقية مثلًا، وتشعر بالسعادة لبضعة أسابيع، سرعان ما يُصبِح هذا هو الوضع الطبيعي الجديد، فيُعِيد الدماغ تعيين خط الأساس للسعادة؛ أي أنّ هذا الهدف لم يعُد كافيًا لإسعادك، بل ينتقل إلى هدفٍ آخر، لإيجاد السعادة أو بالأحرى للحفاظ على مستويات السعادة.
وهذا يتوافق مع نشاط الدوبامين، الذي يستمرّ في تحفيزك بينما تحاول الوصول إلى هدفك، ولكنّه لا يُطلَق بنفس النشاط بعد تحقيق الهدف، ومِنْ ثمّ فقد لا يبدو أي نجاحٍ كافيًا، وإنّما هي محطات تأخذ بيدك واحدة تلو الأخرى.
3. فراغ ما بعد النجاح
لكن الأسوأ من انخفاض السعادة أو غيابها، إحساس الفراغ الذي يملأ النفْس، وهو غير مُتوقّع تمامًا في هذا التوقيت.
وربّما يكون ذلك لأنّ الهدف الذي سعيت له منذ البداية لم يكُن نابعًا من ذاتك، وربّما نبع من توقعات الأسرة، أو الضغوط الثقافية، أو أحيانًا التراكمات البطيئة لتعريفات الآخرين للحياة الجيدة.
وقد وجد تقرير صادر عن كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة هارفارد عام 2023 أنّ نحو 3 من كل 5 شباب، أفادوا بأنّهم يفتقرون إلى وجود هدف أو معنى لحياتهم، وأشار المؤلف الرئيس للتقرير إلى أنّ الشباب يجمعون إنجازات خارجية لا ترتبط بأي شيء يهمهم حقًا.
هل النجاح يؤدي إلى السعادة حقًا؟
لو استبعدنا الأسباب السابقة، فرضًا، فهل النجاح سيؤدي إلى السعادة حتمًا؟
في الواقع، تشير الأبحاث الحديثة إلى العكس، فتحديد أهدافٍ مهنية، قد يؤدي إلى التوتر وخيبة الأمل، في حين أنّ التركيز على أن تكون سعيدًا أولًا، قد يساعدك على النجاح.
وحسب دراسة عام 2021 في مجلة دراسات السعادة "Journal of Happiness Studies"، أُجريت على نحو مليون شخص، فإنّ أولئك الذين يشعرون بالتفاؤل والسعادة عند الالتحاق بوظيفة يحقّقون نجاحًا وظيفيًا أكبر.
فوجدت الدراسة أنّ الأفراد العسكريين (من جميع الرتب والأدوار والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والعرقية) الذين اختبروا أفكارًا ومشاعر وعواطف أكثر إيجابية، حصلوا على مزيدٍ من الأوسمة والجوائز والترقيات المهنية؛ أي أنّ السعادة هي ما ساعدت على النجاح.
من أين تأتي السعادة إذًا؟
قد تأتي السعادة جزئيًا من المُتعة أو السعي وراء المُتعة، ولكن أظهرت دراسة عام 2021 في مجلة "Frontiers in Psychology" أنّنا نستمد السعادة من السعي ذاته نحو غايات، بما في ذلك النموّ الشخصي، والأصالة، ووجود معنى فيما نفعله، وغاية يُسعَى إليها.
كيف يتحوّل النجاح أحيانًا إلى سبب للتعاسة؟
قد لا تكون سعيدًا كما تتوقّع عند النجاح، لكن الأغرب أن تكون أهدافك الطموحة ضارّة لك أكثر مما تتوقّع.
ففي دراسة أخرى نُشرت عام 2021 في مجلة "Frontiers in Psychology"، بشأن العواقب الصحية النفسية المترتبة على السعي لتحقيق أهدافٍ نبيلة ومحددة للغاية، وجد الباحثون أنّ المشاركين الذين فشلوا في الوصول إلى تلك الأهداف، عانوا تأثيرات سلبية في حالتهم المزاجية واحترامهم لذاتهم ودوافعهم.
كيف تجد سعادتك؟
إذًا لا ينبغي أن تربط سعادتك بهدفٍ ما، كما أنّ المشاعر الإيجابية والسعادة قد تُسهِّل طريقك نحو النجاح، وفيما يأتي بعض الأمور التي تساعدك على إيجاد سعادتك:
1. التفكير في الأمور الجيدة
أظهرت دراسة عام 2020 في مجلة علم النفس الإيجابي "Journal of Positive Psychology" أنّ الإجابة على سؤال "ما الذي سار على ما يُرام اليوم؟" كل مساء لمُدّة أسبوعين، أدَّى إلى تحسّن الحالة المزاجية ومشاعر السعادة، حتى التوازن بين العمل والحياة.
2. ممارسة الامتنان
كذلك قد تساعد ممارسة الامتنان على تحسين مزاجك وصحتك النفسية، كما توصّلت الدراسة نفسها عام 2020 إلى نتائج مماثلة مع المشاركين الذين قضوا 7 دقائق فقط في كتابة رسالة لما يشعرون بالامتنان لأجله، لذا ابحث في حياتك عمّا يستحق الامتنان، وذكِّر نفسك به بين الحين والآخر.
3. اهدف إلى التوازن بين العمل والحياة
إنّ تحقيق التوازن بين العمل والحياة من أفضل الطرق نحو السعادة، فالوظيفة ذات الأجر الجيد لا تفيد عندما تعمل باستمرار، وليس لديك الوقت للمناسبات الاجتماعية والعائلة والأصدقاء، فلن يُصبِح الجميع رؤساء تنفيذيين أو يتخرّجون بدرجة الدكتوراه، فأنت من تُحدِّد نجاحك.
كذلك ينبغي الانتباه إلى ما هو تحت سيطرتك حقًا، وما ليس لك يد فيه، فهذا يمنع أن يتحوّل هدفك إلى سببٍ لتعاستك، حين تخرج الأمور عن السيطرة.
4. التقدّم يعني أنّك على الطريق الصحيح
لا ينال أحد كلّ شيء، لذا اسعَ إلى تبنِّي عقلية النموّ، والتركيز على التقدّم وليس الكمال، فالسعادة والنجاح رحلتان مستمرتان، وليسا وجهتَين يمكن تحقيقهما مرة واحدة، لذا كُن منفتحًا على التعلّم والاستمرار في التقدّم كلّ يوم.
ختامًا، رحلة النجاح بدأت بشغفٍ حفّزه الدوبامين، الذي يُطلَق طوال رحلتك نحو القمّة، ولكن حين تصل إلى القمّة قد لا تجد الكنز الذي توقعته، ربّما لأنّ الدوبامين انتهى عمله، أو لأنّ الهدف لم يكُن نابعًا من رغباتك حقًا، والسعادة غالبًا ما تكون في الرحلة -ويُثبِت الدوبامين ذلك- وليست عند الوصول، فحاول أن تستمتع بكلّ لحظة تشقُّ فيها طريقك نحو القمّة، لئلّا تفوتك السعادة حين تبلغ غايتك.
