فرحة مفقودة.. لماذا تشعر بالفراغ بعد أن حققت أهدافك؟
في كل لقطةٍ نراها لنجاحٍ تحقّق بعد جهدٍ طويل، وثمرة جناها صاحبها بعد سنوات من العمل الشاقّ، نجد أن السعادة الصادقة مرسومة على الملامح، كأنّما رسمتها كلّ قطرة عرق وكلّ عقبة اجتازها صاحبها في سبيل تحقيق هدفه الشاق.
ولكن ماذا عن مشاعر من حقّق أهدافه أخيرًا؟ هل السعادة التي تطلّ من عينيه هي ما يشعر به حقًا في داخله أم أنّ فراغًا لم يكُن في الحسبان قد اقتحم وجدانه؟
بل هل كان ما يسعى إليه منذ البداية هدفًا نابعًا من أعماق قلبه أم أملته عليه الثقافة أو ضغوط المجتمع وتوقعات العائلة، وهل لفراغ ما بعد الإنجاز علاقة بذلك؟
من مغالطة الوصول إلى فراغ ما بعد الإنجاز
بعد أن حُزت الترقية التي تمنّيتها طوال عُمرك أو حقّقت أي إنجاز سعيت إليه بكلّ قوتك، ماذا الآن؟ هل تشعر بفراغٍ داخلك لا تجد شيئًا تملؤه به؟
يُطلِق علم النفس على ذلك "مغالطة الوصول" (Arrival Fallacy)، وهي الفجوة بين السعادة التي نتوقّعها من بلوغنا هدفًا ما، وما نشعر به بمجرّد الوصول إليه. وقد صاغ هذا المصطلح خبير عِلم النفس الإيجابي "تال بن شاهار" في كتابه "أكثر سعادة" أو "Happier".
فالتركيز على هدفٍ مستقبلي يحفّز مراكز المكافأة في الدماغ، ما قد يؤدي إلى تأثير مهدّئ معرفيًا، وبينما يصبِح هذا الإحساس بالإنجاز جزءًا من هُويّتك اليومية، فإنّك تعتاد تلك المشاعر لدرجة أنّ تحقيق الهدف فعليًا يتبيّن أنّه أقل إرضاءً مما كان مُتوقّعًا.
علاوةً على ذلك، فإنّ الوصول إلى المكان الذي اعتقدت أنّك ستكون سعيدًا فيه، قد يحمل معه تحدّيات ومسؤوليات أكبر سيتعيّن عليك مواجهتها، ما قد يجعلك أقل سعادة.
الدوبامين وفراغ ما بعد الإنجاز.. هل تلاعب عقلك بك؟
كيف كان يحفّزك عقلك بينما كُنت مُصمّمًا على مطاردة أهدافك؟ الحقيقة أنّه عندما تسعى إلى هدفٍ ما، فإنّ دوائر المكافأة في دماغك تنشط؛ خصوصًا مسارات الدوبامين، والذي لا يُفرَز عندما تُحقّق الهدف، ولكن بينما تسعى إلى تحقيق الهدف، وكُلّما قطعت شوطًا في طريقك الشاق؛ أُفرِزت جرعة أخرى من الدوبامين، فلا تملّ من السعي مهما كان شاقًا عليك.
وعندما تبلغ هدفك أخيرًا بعد طول عناء، لا يُفرَز الدوبامين الذي كان يمنحك الدافِع والإحساس المُثِير الذي جعلك مستمرًا في مطاردة هدفك، بل ينخفض إطلاقه، ما قد يجعل فرحتك أقلّ عمّا كُنت تتوقّع.
هل كُنت تسعى وراء هدف نابع من أعماق قلبك فعلًا؟.. ربّما لا
يروي المُعالِج النفسي "مارك شيلفوك" المُقِيم في سانت توماس، أونتاريو بكندا، تجربته السريرية؛ إذ أفاد أنّ الأشخاص الذين يكون الفراغ مؤثّرًا في توازنهم النفسي بشدّة يمتلكون شيئًا مشتركًا؛ وهو أنّهم كانوا يسعون إلى هدفٍ لم يكُن نابعًا من رغبتهم الحقيقية.
فالأهداف لم تُختَر بوعي من خلال الشعور العميق بذواتهم وما يودّون تحقيقه بالفعل، بل وُزِّعت الأهداف من توقّعات الأسرة، والضغوط الثقافية أو الخارجية، وأحيانًا التراكُم البطيء لتعريفات الآخرين للحياة الجيّدة.
فما يدلّ عليه فراغ ما بعد الإنجاز هُنا أنّه ليس هُناك فشل في التحفيز -كما ترى نظرية الدوبامين- بل هناك أمر أهمّ، وهو أنّ الذات الحقيقية التي دُفِنت تحت وطأة مطاردة هدفٍ زُرِع في وعينا مُسبقًا، قد بدأت تُعلِن عن وجودها بعد سنوات من الاندثار.
تقرير من هارفارد يؤكّد أهمية الهدف الذاتي
يؤيّد ذلك تقرير صادر من كلية الدراسات العُليا للتربية بجامعة هارفارد عام 2023؛ إذ بيّن أنّ نحو ثلاثة من كل خمسة شباب يفتقرون إلى وجود معنى أو هدفٍ لحياتهم.
وأشار المؤلّف الرئيس للتقرير إلى أنّ عديدًا من الشباب ببساطة يحقّقون إنجازات فقط لمجرّد تحقيق أي إنجاز، فهم يراكِمون إنجازات تبدو رائعة من الخارج، ولكنّها لا ترتبط باهتماماتهم على الحقيقة. والنتيجة المنطقية أنّهم لم يكونوا أسعد، بل على العكس زاد القلق والاكتئاب بمُعدّل الضِعف تقريبًا لدى المراهقين تحديدًا.
كيف شكّلت الثقافة المحيطة أهدافنا وهل حرمتنا مما نريده فعلًا؟
تخلط الثقافة الحديثة بين تحقيق الإنجازات والعيش بهدفٍ أو غاية، بل بُنيت الأنظمة التعليمية والمهنية والاجتماعية حول فرضية أنّ تراكُم الإنجازات سيجعل الحياة ذات معنى، بينما تشير الأبحاث إلى عكس ذلك.
فقد تُحقّق إنجازات كثيرة يراها العالم أجمع، ومع ذلك يظلّ الفراغ مستوليًا عليك من الداخل، خصوصًا إذا كان ما حقّقته لا يرتبط بأي شيءٍ تشغف به حقًا.
وقد لاحظ "كارل يونج" عالِم النفس الشهير شيئًا مشابهًا في غرفة الاستشارة الخاصّة به قبل عقود من الزمن، فمن بين من حلّلهم نفسيًا متعلّمين ويؤدّون وظيفتهم على أتّم وجه فيما يبدو للعيان، وكذلك أكفّاء عند التعامُل معهم، ومع ذلك كان عدد كبير منهم غير قادرين على إيجاد غاية لحياتهم.
وقد فهم "يونج" ذلك على أنّه العُصاب المميّز لتلك الحقبة الزمنية، وهو غياب الهدف الذي أنتَج معاناة نفسية حقيقية، وربّما بدرجة خاصّة لمن تبدو حياتهم ناجحة تمامًا ظاهريًا.
فالناس لا يمكِن حصرهم نفسيًا في جانبٍ واحد، والإفراط في محاولة توحيد ما بداخلك مع مُتطلّبات المظهر الخارجي لأهدافٍ ليست نابعة من صميم قلبك، قد يجعل شخصيتك غير متوازنة؛ إذ في النهاية تُعلِن ذاتك الحرب على كلّ ما سعيت إليه وحقّقته، فلا تشعر إلّا بفراغٍ داخلك من حيث لم تكُن تتوقّع.
كيف تعِيد استكشاف ذاتك وتتجاوز عقبة الفراغ؟
مهما كان سبب مشاعر الفراغ أو اكتئاب ما بعد النجاح، فإنّك لا تزال أمام مهمة أصعب، وهي أن تبحث عن هدفك الذاتي الذي ربّما دفنته منذ زمنٍ بعيد تحت ضغوط توقّعات الأسرة والمجتمع وما راكمته الثقافة المحيطة في وعيك، وهذا الطريق لن يكون سهلًا بالتأكيد، ولكن قد تسهّل الخطوات الآتية رحلتك لإعادة اكتشاف ذاتك:
1. اجلس مع نفسك بعض الوقت
متى ستبحث عمّا تريده حقًا إن كنت مشغولًا بمطاردة أهدافٍ مهنية، مثل راتب مُعيّن أو لقب وظيفي مرموق أو غير ذلك لدرجة أنّك نسيت أهدافك الأصلية النابعة من ذاتك؟
فبسبب انشغالك بالعمل الشاقّ والتفاصيل اليومية لمهماتك، قد لا ترى الصورة الكبيرة التي من أجلها بدأت السعي منذ البداية، قبل أن تتفاجأ بفراغٍ عميق غير مُتوقّع. لذا خصِّص بعض الوقت كل يوم للتفكير فيما ترِيده حقًا، ولا بأس لو احتجت إلى يومٍ أو يومين -أو حتى أكثر- لإعادة التركيز على أهدافك الحقيقية.
وربّما في تلك الجلسات التي تخلو فيها مع نفسك بعيدًا عن كلّ المؤثرات الخارجية، قد تدرِك أنّ ما تطمح إليه أكثر من الترقية أو الزيادة، بل ربّما ترغب في أن تترك أثرًا ذي قِيمة قبل أي شيء أو أيًا كان ما تهدف إليه.
2. المُتعة في الرحلة لا في الوصول
تؤكّد الأبحاث أنّ الإنجازات العالية هي نتيجة لدوافع ذاتية بالمقام الأول؛ أي اهتمام متأصّل في جذور النفس أو تحقيق الذات أو لأنّ ذلك مُمتِع بالفعل للشخص، كما يزداد هذا الدافع عندما يكون لدى المرء رغبة حقيقية في إتقان حرفته.
والمُتعة كلّها في رحلتك إلى أن تُتقِن مهنتك ويُشار إليك بالبنان فيها، فأُناس من هذا النوع يسعدون بالطريق الذي يسلكونه إلى الهدف، وربّما لا يسعون بالضرورة إلى نتيجة مادية.
لذا حاوِل الاستمتاع بكلّ لحظة شاقّة أو هيّنة تمرّ بها في طريقك نحو هدفك المنشود.
3. النجاح ليس له سقف
أيًا كان المجال الذي تودّ النجاح فيه، فهُناك دائمًا درجة أعلى مما وصلت إليه، بل قد تتغيّر أهدافك بمرور السنين، وقد تكون المهنة المثالية لك في العشرينات من عُمرك غير مناسبة عندما تبلغ 35 عامًا.
لذا بدلًا من تحديد معالِم النجاح التي يُملِيها المجتمع عليك لتصل إليها في سنٍ مُعيّن، أبقِ خياراتك مفتوحة، وحدّد النجاح بشروطك الخاصّة، ورحّب بالفُرص التي تأتيك طوال الطريق.
فالحياة سلسلة من النجاحات، ومن المهم ألّا ننسى النظر إلى الصورة الكبيرة بعد أن نحقّق إنجازًا تلو الآخر، وأن نتأكّد من أنّ ما وصلنا إليه هو عيْن ما أردنا من أعماق قلوبنا منذ نعومة أظافرنا، وليس ما تملِيه علينا المؤثرات الخارجية، وإن كانت أكثر ضجيجًا من صوتك الداخلي.
