مغالطة الوصول.. عندما تُسرَق منك سعادتك بعد تحقيق أهدافك
كثيرًا ما نتعجّل في تحقيق أهدافنا، نسعى كلّ يوم بما أُوتينا من قوة لتحقيق ما أمكن، فخطواتنا البسيطة هي ما يتكلّل في النهاية بنجاحٍ يُبهِر الجميع، ونتوقّع دون شكّ أن نجني سعادةً لا تُوصَف بعد تحقيق هدفٍ طال انتظاره.
ولكن الحقيقة أنّ هذا لا يحدث دائمًا، فبعد بلوغ الهدف، تجد كلّ شيء طبيعيًا، انبهار الآخرين انتهى، السعادة التي ملأتك تلاشت كأن لم تكُن موجودة، الهدف قد تحقّق بالفعل، وأنت تقف أمام نفسك فحسب في تلك اللحظة.
لم تفعل شيئًا خاطئًا، ولكن كلّ ما في الأمر أنّك توقّعت أن تستمرّ السعادة أطول، والآن تجِد نفسك لا تزال تبحث عنها وراء هدفٍ آخر، فكيف جذبك فخّ "مُغالطة الوصول" بينما كُنت مشغولًا بمُطاردة أحلامك؟
ما هي مغالطة الوصول في علم النفس؟
صاغ "تال بن شاهار" الخبير في عِلم النفس الإيجابي مُصطلح مغالطة الوصول "Arrival fallacy" لوصف الوصول إلى هدف مُعيّن، ثُمّ توقّع الشعور بالإنجاز، ولكن بدلًا من ذلك تكون خيبة الأمل هي الحاضرة.
فالدماغ يتكيّف بسُرعة مع الظروف الجديدة، وهو ما يُعرَف "بالتكيّف مع المُتعة"، فما بدا إنجازًا في السابق أصبح هو الوضع الطبيعي الجديد، وأنت تستهدِف الآن إنجازك التالي، ما يؤدي دون قصدٍ إلى استمرار دوّامة السخط.
كما ذكر الخبير أيضًا أنّ مغالطة الوصول قد عاناها مشاهير وأشخاص ناجحون جدًا، لكن انتهى بهم المطاف إلى الإصابة بأمراض نفسية وربّما تعاطي المخدرات بعد تحقيق أحلامهم.
بين توقعات الآخرين وكيمياء الدماغ.. لماذا نقع في فخّ مُغالطة الوصول؟
ليس هناك كثيرٌ من الأبحاث بشأن مغالطة الوصول وأسبابها، ولكن إذا نظرنا إلى العوامل التي تجلب السعادة للناس، فإنّ إقامة علاقات مُثمِرة وتعلّم كيفية التركيز على الجانب الإيجابي تتصدّر قائمة مُسبِّبات السعادة، حسب "Harvard Health".
رغم ذلك، فإنّ النجاحات الظاهرية، مثل المال أو الترقّي في السلّم الوظيفي أو المكانة الاجتماعية لا تصل بنا إلى مستوى السعادة نفسه، بل أشارت جمعية عِلم النفْس الأمريكية إلى أنّ هذه الأشياء لا تجلب السعادة عمومًا؛ على الأقل ليست السعادة طويلة الأمد.
ومع ذلك، فقد غرس المجتمع فينا فكرة مُلخّصها أنّ السعادة مرتبطة بالوصول إلى الأهداف، وأن تكون تلك الأهداف في مرأى الآخرين، وتؤيّد ذلك دراسة أجرتها جامعة هارفارد 2014؛ مُبيِّنة أنّ أطفال اليوم لا يزالون يتغذّون على فكرة أنّ الإنجاز والنجاح الشخصي هما مفتاح السعادة.
تأثير كيمياء الدماغ على توقع السعادة
لكن ليست التوقعات أو ما يفرضه المجتمع وحده ما يُشكّل الهدف، بل ربّما كان لكيمياء الدماغ دور في تعزيز السعادة المتوقعة من وراء الهدف.
فالدماغ يتوقّع المكافآت، وغالبًا ما يؤدي تحقيق الأهداف إلى إطلاق هرمونات ومواد كيميائية تبعث على الشعور بالسعادة.
رغم ذلك، فإنّ هذا التحسّن في المزاج عادةً ما يكون مؤقتًا، ومِنْ ثمّ يتبعه عودة إلى الحالة المزاجية الأساسية أو حتى عدم الرضا، فلا نجد السعادة الدائمة التي طال انتظارنا لها مُتحقّقة كما هو مُتوقّع.
وهذا يدفعنا بدوره إلى تحقيق أهدافٍ جديدة على أمل أن تؤدي إلى النهاية السعيدة التي نسعى إليها، ما يعزّز دورة مغالطة الوصول.
كيف تخلق مغالطة الوصول معاناة غير ضرورية؟
ليت خيبة الأمل هي النتيجة الوحيدة لمغالطة الوصول، بل يمكِن أن تفاقِم تلك المغالطة معاناتنا على أصعدة أخرى، تتضمّن حسب "Psychology today":
- عدم الرضا المستمرّ: ما دُمنا نعتقد أنّ السعادة موجودة دائمًا في المستقبل، فإنّنا نحرم أنفسنا تلقائيًا من سعادة اللحظة الحاليّة التي بالتأكيد تحمل ما يستحقّ التقدير، فندور في حلقة من الاستياء المستمرّ التي لا تؤدي غالبًا إلّا إلى توترٍ مزمن وإرهاق.
- فقدان الدافع: بعد أن حققت هدفك لم تذُق السعادة التي كُنت تتوقّعها، وربّما تبدأ بسؤال نفسك ماذا كان هدفك أصلًا؟ وربّما يدفعك ذلك إلى الإحساس بعدم جدوى مسعاك أو التسويف أو فقدان الدافع نحو أهدافك.
- التصوّر الذاتي السلبي: عندما تُحقِّق هدفًا طال انتظاره ولا تزال لا تشعر بالرضا، فقد تفترض خطأً أنّ العيب فيك بدلًا من أن تُدرِك أنّ الخلل كان في التوقّع نفسه.
- توتّر العلاقات: ما دُمت تسعى من إنجازٍ لآخر دون تأنٍّ، فقد تُهمِل علاقتك بالآخرين؛ مُعتقدًا أنّ هناك دائمًا وقت لهم ولكن لاحقًا، وهذا قد يؤدي إلى العُزلة عن الآخرين.
كيف تتجاوز مغالطة الوصول وتستعيد السعادة الحقيقية؟
ربّما لا يمكِننا تغيير كيمياء الدماغ، كما لا نقدر على التحكّم في وجهة نظر الآخرين عنّا، ولكن هناك بالتأكيد ما يمكِن أن نتحكّم فيه لنعِيد توجيه الدفّة إلى أهدافنا بتوازُن مع سعادة منطقية، كما يتضح فيما يأتي:
1. ركِّز على رحلتك نحو الهدف
عندما نتطلّع إلى هدفٍ مُعيّن، غالبًا ما نُركِّز بشكلٍ مفرط على الهدف والسعادة التي تنتظرنا حتمًا وراء تحقيق هذا الهدف، ولكن الحقيقة أنّك قد تُفوِّت سعادة اللحظة الحالية، التي قد تكون أكبر من سعادة تحقيق الهدف.
فقد توصّلت دراسة نُشِرت عام 2011 في مجلة "Harvard Business Review" إلى أنّ "الانتصارات الصغيرة" فيما يتعلّق بالعمل تجلب السعادة للناس أكثر من أي شيء آخر.
وعندما يشعر المرء بأنّه حقق شيئًا ما على أساس يومي -حتى لو لم يتضمّن الوصول إلى هدف- فمن المُرجّح أن يشعر بالرضا.
2. جرِّب ما ثبت أنّه يُسعِد الناس
توصّلت دراسة أخرى أجرتها جامعة هارفارد على مدى 75 عامًا من مراقبة ما يجعل الناس سعداء إلى أنّ السعادة الحقيقة والدائمة تتلخّص في بعض الأشياء الأساسية.
فالأشخاص الأكثر سعادة قادرون على التخلّص من كلّ المضايقات الصغيرة في الحياة والتركيز على الأشياء البسيطة التي تجعلهم سُعداء.
كذلك فإنّ إقامة علاقات دافئة مع الآخرين يجلب للناس سعادة أكبر من أي نوع آخر من النجاح الخارجي في الحياة، وحسب الدراسة ذاتها، فإنّ التخلّي عن الأشخاص الذين يجلبون السلبية إلى حياتك أمر له اعتباره أيضًا في تحقيق السعادة.
3. دوِّن ما يجعلك مُمتنًا
أيضًا تقييم ما هو جيّد حقًا في حياتك وسيلة أخرى للتركيز على سعادة اللحظة الحاليّة بدلًا من التركيز على سعادة الهدف المستقبلي.
وحسب دراسة عام 2008 في مجلة البحوث في الشخصية "Journal of Research in Personality"، فإنّ الأشخاص الذين يُركِّزون على ما يشعرون بالامتنان له هم أقل عُرضةً للإصابة بالتوتر والاكتئاب.
وإحدى الطرق لزيادة الامتنان تجاه يومك هي الاحتفاظ بمذكرات الامتنان التي تُدوِّن فيها تفاصيل أحداث يومك السعيدة ولو كان شيئًا واحدًا بسيطًا مرّ بك في يومك.
4. كُن واقعيًا
الآن قد عرفت أنّ السعادة وراء تحقيق هدفك ليست بالمستوى الذي تظنُّه، بل ربّما تلاشت أسرع مما تتوقّع، لذا ضع هذا في حُسبانك بينما تسعى وراء أهدافك، كي تتجنّب أي خيبة أملٍ غير ضرورية، ولا تنسَ تفاصيل رحلتك نحو تحقيق الهدف، فربّما كانت السعادة كامنة فيها، فلا تحرم نفسك منها على الأقل.
