رسائلك تكشف شخصيتك.. كيف تعكس كلماتك نمط تعلّقك وطبيعتك النفسية؟
لم يتوقّف البشر منذ فجر التاريخ عن ابتكار وسائل لإيصال رسائلهم إلى الآخرين؛ بدءًا من إشارات الدخان التي كانت تُستخدم للتحذير من هجمات العدو في الصين القديمة، مرورًا بالحمام الزاجل الذي كانت تُنقل عبره رسائل قصيرة على قطع صغيرة من الورق، وصولًا إلى وضع الرسائل في زجاجات وإلقائها في البحر خلال القرن السادس عشر لإيصال معلومات إلى الشاطئ حول مواقع العدو.
ثُمّ التليجراف، وأجهزة الفاكس، والهواتف الخلوية، وأخيرًا الكتابة النصية. لكن في كلّ رسالة مهما اختلفت طريقة إرسالها شخصية تبرز من بين الجمل وفي اختيار الكلمات.
وفي اليوم العالمي للبريد؛ حيث تأسس الاتحاد البريدي العالمي في 9 أكتوبر عام 1874، نحاول اكتشاف كيف تنعكس الطبيعة الشخصية في الرسائل التي نكتبها كلّ يوم.
كيف تعكس رسائلك شخصيتك؟
قد تظنّ أنّ اختيارك للكلمات في رسالة بريد إلكتروني أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي عفوي، والواقع خلاف ذلك، إذ يكشف الكثير عن هويتك.
فقد حلّلت دراسة عام 2013 في مجلة "PLoS ONE" منشورات 75 ألف مشارك على موقع فيسبوك، وقد خضعوا أيضًا لاختبارات الشخصية، وأظهرت النتائج اتجاهات واضحة في اختيار الكلمات على أساس نوع الشخصية.
فقد استخدم المُنفتِحون -نقيض الانطوائيين- عددًا أكبر من الكلمات الاجتماعية، مثل "المرح" و"الحفلة"، بينما استخدم الانطوائيون كلمات تشير إلى الأنشطة الفردية، مثل "الكمبيوتر" و"القراءة".
وكما كان مُتوقّعًا، تحدّث النرجسيون عن أنفسهم كثيرًا، واعتمدوا بدرجة كبيرة على كلمات، مثل "أنا" و"نفسي".
أنواع الشخصيات وطريقة كتابتهم للرسائل
ولمزيد من التوضيح، تنقسم الشخصيات تبعًا لتصنيفات أربعة، تضمّ حسب مجلة "True You Journal":
- الانفتاح (E) مقابل الانطوائية (I): نظرًا لأنّ المنفتحين يجدون طاقتهم في الأشخاص والأنشطة والأحداث الأخرى، فمن الواضح أنّهم يحبون إرسال الرسائل النصية كثيرًا، بينما يجد الانطوائيون طاقتهم في أفكارهم وذكرياتهم؛ أي من أنفسهم، فلا يشعرون عادةً بالحاجة إلى تكرار إرسال الرسائل النصية.
- الحساس (S) مقابل الحدسي (N): الحسّاس واقعي يهتمّ بالواقع المادي أولًا، ومن ثمّ فعند إرسال الرسائل النصية فإنّها عادةً لا تدور حول الموضوع، بل هي مباشرة وفي صلب الموضوع، أمّا الحدسيون، فرسائلهم في كثيرٍ من الأحيان لها تفسيرات متعددة ومعان خفية.
- التفكير (T) مقابل الشعور (F): أمّا المُفكِّرون فهم منطقيّون وتحليليون، ويُتوقّع أن تكون رسائلهم واضحة ومباشرة؛ بغض النظر عمّن يكتبون له الرسالة، أمّا من تهيمن عليهم المشاعر، ويبنون قراراتهم على القِيم الشخصية والتعاطف، فهم رائعون في التواصل، ويغيّرون أسلوبهم في الرسائل النصية اعتمادًا على من يتحدثون إليه.
- الحكم (J) مقابل الإدراك (P): من يميلون إلى الحكم على الأمور (J) من ناحية الطبيعة الشخصية مُخطِّطون يحبون القواعد والنظام، وينعكس ذلك في رسائلهم، التي لا تكون واضحة فحسب، بل مُفصَّلة أيضًا. أمّا المُدرِكون، فهم عفويون ومرنون، وأكثر ميلًا لكتابة رسائل نصية بطريقة عفوية وأقل رتابة.
نمط التعلّق والطبيعة الشخصية
لكن ماذا لو كانت طريقة كتابة الرسائل مرتبطة بجذور النشأة منذ الصغر؟
بدأت نظرية التعلّق من "جون بولبي"، ثم طورتها "ماري أيمسورث"، ويعود أصلها إلى تحليل العلاقة بين الأم والطفل، ومن خلال مراقبة سلوك الطفل في مواقف مختلفة، حصل "بولبي" و"أيمسورث" على فكرة عن كيفية ارتباط الأطفال بأمهاتهم.
وقد رصدت ثلاثة أنماط للتعلّق:
- الارتباط الآمن: فيكون الطفل قلقًا بعض الشيء عندما تغادر الأم، إذ يتجنب الغريب، ولكنه يكون ودودًا معه بمجرد عودة الأم.
- التعلق غير الآمن: كان الطفل حزينًا حين غادرت الأم.
- التعلق التجنّبي: لم يكُن الطفل حزينًا على الإطلاق.
ولاحقًا طُبِّق ذلك على البالغين في مجموعة متنوعة من الدراسات، وكان انعكاس نمط التعلق الذي تشكّل في الصغر على النحو الآتي:
- أسلوب التعلق الآمن: يتمتع المرء بصورة ذاتية قويّة، ويمكنه الدخول في علاقة والالتزام بها، ولا يحتاج إلى من يُكرِّر على مسامعه ما يُطمِئنه.
- أسلوب التعلق غير الآمن: الصورة الذاتية مهتزة، ويحتاج المرء إلى دعم نفسي باستمرار، ويعاني القلق حين ينفصل عن أحبائه.
- أسلوب التعلق التجنّبي: المرء شديد الاستقلال، وغالبًا ما يسعى إلى التحكّم، ويُفضِّل أن تكون هناك مسافة عاطفية مع الشريك.
كيف ينعكس نمط التعلّق في الرسائل؟
إذًا من المنطقي أن ينعكس نمط التعلق في الرسائل كما يتضح فيما يأتي، حسب موقع "Life hack":
1. إرسال الرسائل بانتظام كجزء من أسلوب التعلق غير الآمن
إنّ الأشخاص المندرجين ضمن فئة أسلوب التعلق غير الآمنة يرسلون رسائل نصية بانتظام أكبر، بسبب مخاوف الهجر وانعدام الأمان، فضلًا عن الحاجة المستمرة إلى الطمأنينة.
وذلك مثل الشريك الذي يرسل رسائل نصية باستمرار عندما تكون في عطلة نهاية الأسبوع مع أصدقائك، فهو يبحث عن الطمأنينة بأنّك تحبّه، ويريد التذكير بأنّه لا يزال يحبّك.
2. إرسال الرسائل بانتظام كجزء من أسلوب التعلق التجنبي
أمّا المُصنّفون ضمن أسلوب التعلق التجنبي، فالرسائل النصية الأكثر انتظامًا تعدّ وسيلة للحفاظ على المسافة العاطفية، والتحكّم في عدد مرات كتابة الرسائل النصية.
ولكن الهدف هنا مختلف، فالشريك يود معرفة ما تفعله في عطلة نهاية الأسبوع ومع من ستذهب، لأنّ معرفته بذلك تجعله يشعر بالسيطرة حتى عندما تكون هناك مسافة بينك وبينه.
ولأنّ المسافة العاطفية سمة أساسية لهذا النمط، فستكون هناك صعوبة في التعبير عن الذات وجهًا لوجه، ومِنْ ثمّ يكون الخيار الأفضل والأكثر عملية التعبير عن هذه المشاعر في الرسائل النصية.
كيف تتعامل أدمغتنا مع النصوص؟
لا شكّ أنّ الرسائل النصية ركيزة أساسية في التواصل اليوم؛ إذ نستقبل ونرسل كثيرًا من الرسائل يوميًا، ومع ذلك فإنّ هذا الشكل السهل لتبادُل الرسائل، قد يكون أرضًا خصبة لسوء الفهم.
فالدماغ يعالج النص بشكل مختلف عن التحدّث وجهًا لوجه، ما يعني أنّه حتى نفس الكلمات قد تختلف معانيها بدرجة كبيرة عند كتابتها نصًا عن نُطقها وجهًا لوجه.
وتكمن الآلية وراء هذه الظاهرة في الطريقة التي تعالِج بها أدمغتنا إشارات اللغة والشخصية، فعندما نتواصل لفظيًا، فإنّنا نلتقط إشارات غير لفظية أيضًا، مثل لغة الجسد، ونبرة الصوت، وتعبيرات الوجه، لقياس مشاعر ونوايا الشخص الآخر.
ولأنّ الرسائل النصية تفتقر إلى هذه العناصر المرئية، فإنّنا نعتمد بدرجةٍ أكبر على القرائن اللغوية، مثل بِنية الجملة، واختيار المفردات.
فعندما تستقبل رسالة أو تخوض حوارًا مكتوبًا، فإنّ الدماغ يميل إلى ملء فجوات التواصل بافتراضات مبنية على تجارب سابقة، أو سمات شخصية، وإذا كانت هذه الافتراضات غير دقيقة، فقد يؤدي ذلك إلى سوء الفهم، وتفسيرات خاطئة لما يُقرأ.
لذا في الختام، قد لا تكون الكلمات التي اخترتها في رسالتك عفوية، وإنّما نابعة من أعماق شخصيتك، وربّما من نمط التعلّق الذي تشكّل منذ الصغر، وإن كان ذلك أوضح في العلاقات الرومانسية.
كما تتعامل أدمغتنا مع الرسائل النصية بطريقة مختلفة عن التواصل وجهًا لوجه؛ الأمر الذي يستلزم الحذر والدقة في كلّ كلمة نكتبها، والاهتمام بالنبرة التي نودّ إيصالها، ففي النهاية أنت من تقرِّر ما تُبرِزه من شخصيتك، وكلماتك تشهد لك.
