كيف تُشعل تفاصيل صغيرة صراعات كبرى بين جيل Z ومديريهم في بيئات العمل؟
يكشف التمعّن في بيئات العمل متعددة الأجيال أن الخلافات الكبرى تنشأ في أحيان كثيرة من مواقف بالغة البساطة، كالتأخر عن العمل أو مشاركة تفاصيل شخصية أو تسليم مهمة قبيل انتهاء الموعد النهائي.
وما يبدو للموظف الشاب مراعاةً واحترامًا قد يبدو لمديره من جيل آخر استخفافًا وقلة احتراف، فالمشكلة ليست في جيل Z تحديدًا؛ بل في غياب قواعد تواصل وظيفي واضحة ومُعلنة داخل المؤسسات.
اختلاف وجهات النظر بين الأجيال
أرسلت موظفة في العشرينيات رسالة نصية لمديرها تُعلمه بتأخرها عن العمل، ظنًا منها أن ذلك أكثر لطفًا من إشغاله بمكالمة هاتفية؛ غير أن المدير رأى في غياب المكالمة استهانةً بجدية التأخر.
كلاهما كان مقتنعًا بأنه يتصرف بشكل لائق، لكنهما لم يتفقا قط على تعريف اللياقة نفسه؛ وهذا النوع من سوء الفهم يتكرر يوميًا في بيئات العمل.
ولا يمكن الحل في إلزام الموظفين الشباب بأسلوب تواصل وظيفي لم يُشرح لهم، بل في محادثة مدتها دقيقتان تُحدد فيها التوقعات بوضوح: "التأخر يستوجب مكالمة هاتفية لا رسالة نصية"، وهذه الجملة البسيطة تُغني عن سوء ظن طويل من الطرفين.
الشفافية الشخصية: أمانة أم إفراط في البوح؟
وفقًا لتقرير مجلة Fortune، أفضى موظف شاب لمديره بمعاناته مع قلق حاد، فوجد المدير نفسه في موقف محرج: أراد أن يكون متفهمًا، لكنه لم يعرف كيف يتعامل مع هذه المعلومة في سياق علاقة مهنية.
نشأ جيل Z في مرحلة باتت فيها النقاشات حول الصحة النفسية أمرًا عاديًا وعلنيًا، فما يبدو له صدقًا وشفافية يبدو لأقرانه الأكبر سنًا تجاوزًا للحدود المهنية.
ولا يعني هذا أن أحد الطرفين مخطئ، بل يعني أن مستوى الارتياح تجاه البوح بالأمور الشخصية ليس معيارًا موحدًا، وعلى المديرين أن يُدركوا هذا الفارق بدلاً من الحكم على موظفيهم.
تأثير غياب التواصل على جيل Z
تعلّمت الأجيال السابقة قراءة لغة الجسد والإشارات غير المعلنة في العمل من خلال التجربة المباشرة: جلسات حول طاولة الاجتماعات، ونبرات تكشف الرضا أو الانزعاج، وملاحظات تُهمس في الممر بعد الاجتماع.
لكن من كان في الـ18 أو الـ19 عام 2020 تعلّم في بيئة مختلفة تمامًا؛ تحوّلت فيها الفصول الدراسية إلى شاشات، وأجرت التدريبات عبر الإنترنت، وغطّت الأقنعة نصف الوجوه حين عادت اللقاءات الشخصية.
هذا لا يعني أن جيل Z عاجز عن قراءة المشاعر، لكنه يعني أنه لم يحظَ بالفرص ذاتها لاكتساب الإشارات غير الرسمية في بيئة العمل، وما لم يُقَل صراحةً، لا يمكن افتراض أن الجميع استوعبه.
أهمية الوضوح بين الموظفين والمديرين
طلب مدير من موظف تسليم تقرير "يوم الجمعة"، سلّمه الموظف في الرابعة والنصف مساءً، وكان المدير يتوقع استلامه صباحًا ليراجعه ويرسله بدوره قبل نهاية اليوم، وفي هذا الموقف الموعد النهائي تم احترامه، لكن التوقعات لم تتطابق.
وفي استطلاع أجراه الباحث جيف لو بلانك على 250 محترفًا من جيل Z، برزت الحاجة إلى توقعات هيكلية واضحة بوصفها أولوية متكررة.
وأوضح الباحث أن الرغبة في الوضوح لا تعني الحاجة إلى الإرشاد المستمر؛ يمكن للموظف أن يكون مستقلاً تمامًا ويريد في الوقت ذاته أن يعرف كيف يبدو النجاح بالضبط؛ "الجمعة" و"الجمعة قبل العاشرة صباحًا لأنني أحتاج ثلاث ساعات للمراجعة" جملتان مختلفتان تمامًا.
قواعد التواصل الوظيفي ليست فطرة بل تعليم
ما تعدّه أجيال سابقة "حسًا مشتركًا" في بيئة العمل ليس في الحقيقة سوى ما علّمتهم إياه بيئاتهم المهنية الأولى.
يتعلم جيل Z قواعد التواصل الوظيفي في عالم تغيّر فيه كل شيء: من الجائحة إلى الذكاء الاصطناعي الذي بات يُنتج الرسائل والملخصات بسرعة قياسية، دون أن يضمن فهمًا أعمق.
المؤسسات التي تُعلن قواعدها بوضوح، وتُدرك أن معاييرها ليست بديهية مشتركة، هي وحدها القادرة على تجاوز هذه الفجوة وبناء بيئة عمل تواصل وظيفي حقيقي بين أجيالها المختلفة.
