لم ينتظر أن تُفتح له الأبواب رافي بوغوصيان رئيساً لـ Golden Globe Foundation
قبل أكثر من عشر سنوات، كان رافي بوغوصيان يقف خلف الحواجز على السجادة الحمراء في هوليوود، ينتظر دقائق معدودة لطرح سؤال على أحد نجوم السينما. لم يكن يعرف آنذاك أن الطريق الذي بدأه من هناك سيقوده يومًا إلى رئاسة مؤسسة تحمل اسم الجولدن جلوب.
لذلك، لم يكن انتخابه رئيسًا لمؤسسة Golden Globe Foundation مجرد منصب جديد يضاف إلى سيرته المهنية، بل لحظة كاشفة لمسار طويل انتقل خلاله من مراقبة الصناعة وتغطية نجومها إلى موقع يشارك منه في رسم توجهات إحدى أبرز المؤسسات المرتبطة بالسينما والترفيه عالميًا.
خلف هذه اللحظة أكثر من عشرين عامًا من العمل في التلفزيون والصحافة والإنتاج والإعلام الرقمي والبث المباشر. غير أن قيمة تجربته لا تكمن في طول المسيرة وحده، بل في الطريقة التي بنى بها موقعه تدريجيًا: من الحضور على هامش هوليوود إلى الدخول في دوائرها، ومن نقل قصص المؤثرين فيها إلى تولي مسؤولية مؤسسية داخلها.
إنها قصة لا تتحدث عن فرصة عابرة، بل عن صناعة مكانة.
حلم بدا أكبر من الطريق
بدأ بوغوصيان مسيرته الإعلامية في سن الخامسة عشرة، في عمر لا يزال فيه كثيرون يبحثون عن اهتماماتهم الأولى. أما هو، فكان قد بدأ بالفعل اختبار علاقته بالكاميرا والحوار وسرد القصص.
لم يولد هذا الشغف في مركز صناعة الإعلام، ولم يبدأ من داخل مؤسسة أمريكية كبرى. لكنه حمل معه مبكرًا رغبة واضحة في العمل التلفزيوني، ثم راكم خبرته عبر مؤسسات عربية بارزة، من بينها MBC و«العربية» وSRMG، كما كتب لصالح «عرب نيوز» و«فوربس الشرق الأوسط».
ومع انتقاله بين مناطق وثقافات مختلفة، لم تعد الجغرافيا مجرد خلفية في سيرته. فقد صنعت منه شخصًا قادرًا على فهم أكثر من جمهور، وعلى التحرك بين الثقافة العربية والمنظومة الإعلامية الأمريكية من دون أن يذوب تمامًا في أي منهما.
هذه المساحة الواقعة بين عالمين ستصبح لاحقًا مصدر تميزه الأساسي.
الوصول إلى هوليوود
قد يصل أي شخص إلى لوس أنجلوس، لكن الوصول إلى هوليوود بمعناها المهني أمر مختلف. فهي ليست مكانًا جغرافيًا فحسب، بل شبكة مغلقة من الثقة والعلاقات والسمعة والخبرة، يحتاج الداخل إليها إلى سنوات قبل أن يصبح اسمه مألوفًا، ثم سنوات أخرى قبل أن يصبح حضوره مؤثرًا.
دخل بوغوصيان هذا العالم من بوابة الصحافة والترفيه. غطى السجاد الأحمر، وأجرى مقابلات مع نجوم هوليوود وقادة عالميين وشخصيات عامة مؤثرة، وقاد إنتاجات موجهة إلى جمهور عربي ودولي.
لكن وجوده قرب المشاهير لم يكن غاية في ذاته. فالفارق بين مراسل عابر وصحفي يصنع مكانته، هو تحويل اللقاءات إلى معرفة، والعلاقات إلى ثقة، والحضور المتكرر إلى هوية مهنية.
خمس سنوات أمام باب مغلق
ربما تكون قصة دخوله إلى منظومة الجولدن جلوب أكثر المحطات تعبيرًا عن شخصيته. ففي أولى تغطياته للسجاد الأحمر، شاهد مقدار الوصول والاحترام اللذين يحظى بهما أعضاء رابطة الصحافة الأجنبية في هوليوود، فتولد لديه حلم الانضمام إليها.
حين سأل أحد العاملين في الصناعة عن الطريق إلى العضوية، تلقى إجابة محبطة: بعض الصحفيين يحاولون أعوامًا طويلة ولا ينجحون. كان ذلك كافيًا ليتراجع كثيرون، لكنه واصل المحاولة خمس سنوات، مع إدراكه أن النتيجة ليست مضمونة.
وفي عام 2021 أصبح أحد أصغر أعضاء الرابطة في تاريخها. يومها قال إن العضوية بالنسبة إلى صحفي متخصص في الترفيه تشبه فوز الممثل بجائزة أوسكار. لكنه لم يتحدث عنها باعتبارها مكافأة شخصية فحسب، بل مسؤولية تجاه العالم العربي، ورغبة في أن يكون جسرًا بين المواهب القادمة من الشرق الأوسط وصناعة السينما في هوليوود.
تكشف تلك المحطة عن مبدأ أساسي في تجربته: لم ينتظر أن تُفتح له الأبواب، بل ظل يطرقها حتى أصبح جزءاً من المؤسسة نفسها.
امتلاك أدوات الحكاية
بالتوازي مع عمله التلفزيوني والصحفي، أدرك بوغوصيان أن الاستمرار في صناعة سريعة التحول يحتاج إلى أكثر من الظهور أمام الكاميرا. يحتاج إلى امتلاك أدوات الإنتاج والقدرة على ابتكار المشاريع وقيادتها.
من هنا أسس Bogo Studios في لوس أنجلوس، لتقدم حلولًا إعلامية متكاملة تشمل الإنتاج التلفزيوني والبث المباشر والمحتوى الرقمي والاستراتيجية الإبداعية.
لم يكن تأسيس الشركة مجرد توسع مهني، بل تحول في العقلية: من إعلامي يعمل داخل مشاريع الآخرين إلى رائد أعمال يبني مشاريعه الخاصة، ومن شخص ينفذ المحتوى إلى قائد يحدد رؤيته ومساره والجمهور الذي يريد مخاطبته.
وفي برنامج Raffi Talks، الذي يقدمه أسبوعيًا عبر منصة Blinx الإماراتية، يظهر هذا التحول بوضوح. فالبرنامج المخصص للترفيه والسينما يخاطب جمهور الجيل الجديد في الشرق الأوسط، لكنه يعكس أيضًا رغبة بوغوصيان في أن يحمل المحتوى اسمه وصوته وطريقته الخاصة في قراءة الصناعة.
بعد سنوات أمضاها في طرح الأسئلة على الآخرين، أصبح يمتلك المنصة التي يصوغ من خلالها أسئلته ورؤيته.
من سرد التأثير إلى صناعته
في عام 2025، انتُخب بوغوصيان عضوًا في مجلس إدارة Golden Globe Foundation لولاية مدتها ثلاثة أعوام، قبل أن يصل في مطلع شهر أغسطس 2026 إلى رئاسة المؤسسة. هذا التدرج مهم لأنه يضع المنصب في سياقه الحقيقي: لم يكن قفزة مفاجئة من السجادة الحمراء إلى الرئاسة، بل انتقالًا متتابعًا من الحلم بالعضوية إلى نيلها، ثم إلى مجلس الإدارة، وأخيرًا إلى موقع القيادة.
ولا تقتصر مهمة المؤسسة على البريق المرتبط باسم الجولدن جلوب. فقد تأسست عام 2023 لمواصلة الإرث الخيري لرابطة الصحافة الأجنبية في هوليوود، وتركز على دعم الفنون والتعليم والصحافة، وتمويل برامج المواهب الشابة وترميم الأفلام وحماية حرية التعبير، إلى جانب مساندة المجتمعات الأقل تمثيلًا. وبلغت قيمة المنح التي قدمتها المؤسسة والجهة التي سبقتها نحو 55 مليون دولار.
هنا يكتسب وصول بوغوصيان معناه الأعمق. فالرجل الذي بدأ مسيرته برواية قصص النجوم، بات اليوم في موقع يشارك في فتح الأبواب أمام جيل جديد من المواهب.
النجاح بوصفه تراكماً
قبل أكثر من عشر سنوات، كان رافي بوغوصيان ينتظر دقائق قليلة خلف الحواجز ليطرح سؤالًا على أحد نجوم هوليوود.
اليوم، لم يعد ينتظر أن تُفتح له الأبواب. لقد أصبح واحدًا ممن يفتحونها.
ولعل هذا هو الفارق بين النجاح والإنجاز؛ النجاح أن تجد لنفسك مكانًا داخل صناعة كبرى، أما الإنجاز، فهو أن تصبح أنت من يفتح الباب لمن يأتون بعدك.
بطاقة تعريف
الاسم: رافي بوغوصيان
الميلاد: 31 مارس 1990، العراق
المهنة: إعلامي، منتج ورائد أعمال
المناصب الحالية: رئيس Golden Globe Foundation،
مقدم Raffi Talks، والمؤسس والرئيس التنفيذي لـBogo Studios
محطات في مسيرته
- بدأ العمل الإعلامي في سن 15 عامًا
- عمل مع MBC و«العربية» وSRMG
- كتب في Arab News وForbes Middle East
- أسس Bogo Studios في لوس أنجلوس
- انضم إلى رابطة الصحافة الأجنبية في هوليوود عام 2021
-انتخب لعضوية مجلس إدارة Golden Globe Foundation عام 2025
- انتُخب رئيسا لـGolden Globe Foundation في أغسطس
