لماذا نبحث عن أصدقاء الماضي بعد الخمسين؟ 3 دوافع نفسية تكشف السر
مع تجاوز سن الـ50، يزداد اهتمام الإنسان باستعادة صداقات الماضي والتواصل مع أشخاص غابوا عن حياته لسنوات؛ فمع تراجع انشغالات الحياة اليومية، مثل بناء المسار المهني وتربية الأبناء والتخطيط للمستقبل، تتسع المساحة الذهنية للتأمل في الماضي واستعادة العلاقات القديمة.
وعزز ظهور منصات التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة هذه الظاهرة، إذ أتاح أدوات سريعة وسهلة للعثور على أشخاص اختفوا من الحياة اليومية منذ عقود.
وبحسب عالم النفس الدكتور فرانك تي. ماك أندرو، فإن معظم التجارب المتعلقة باستعادة الصداقات القديمة تحمل نتائج إيجابية، إذ يمكن لإحياء علاقة سابقة أن يمنح الطرفين شعورًا بالفرح والرضا، خاصة عندما تكون الصداقة في الماضي قائمة على أساس قوي.
الدوافع النفسية الثلاثة وراء قرار التواصل
وفقًا لموقع Psychology Today، ترتبط الرغبة في استعادة الصداقات القديمة بثلاثة دوافع نفسية رئيسة، ويتمثل الأول في الرغبة الصادقة في معرفة أخبار شخص كان جزءًا مهمًا من حياة الإنسان في الماضي، والاطمئنان على حاله ومعرفة ما إذا كان يعيش حياة ترضيه.
أمّا الدافع الثاني، فيرتبط بالرغبة في استعادة صورة الإنسان عن نفسه خلال سنوات الشباب، إذ يحتفظ أصدقاء تلك المرحلة بصورة الشخص في فترة كان فيها أكثر حيوية وطموحًا، وقد يسهم التواصل معهم في استعادة ذكريات تلك السنوات وما ارتبط بها من مشاعر الأمل والطاقة.
ويتمثل الدافع الثالث في مراجعة مسار الحياة، وهو ما يرتبط بنظرية تطور الشخصية التي وضع عالم النفس إريك إريكسون أسسها، والتي تقسم حياة الإنسان إلى ثماني مراحل من النمو النفسي.
ومع التقدم في العمر، خاصة بعد سن الـ65، يبدأ الإنسان في مراجعة حياته وما حققه فيها، بين الشعور بالرضا والإنجاز أو الإحساس بالندم واليأس.
ويصبح أصدقاء الطفولة والشباب جزءًا مهمًا من هذه المراجعة، لأنهم عاشوا معه البدايات نفسها، ما يساعده على مقارنة تجاربه ومسيرته بحياتهم وتقييم ما وصل إليه.
الأخطار الحقيقية لإحياء علاقات الماضي
لا يخلو قرار إحياء علاقات الماضي من مخاطر حقيقية، وتختلف هذه المخاطر بحسب طبيعة العلاقة والظروف التي أدت إلى انقطاعها.
ففي العلاقات التي انتهت بسبب خلافات حادة أو ظروف سيئة، قد تحمل إعادة التواصل احتمالين متناقضين؛ أولهما أن تتيح للطرفين فرصة للاعتذار وتسوية الخلافات وإصلاح ما انقطع بينهما، والثاني أن تؤدي إلى إعادة استحضار جروح قديمة واستمرار المشاعر السلبية، بما قد يسبب ضررًا للطرفين دون تحقيق أي مكسب حقيقي.
أمّا العلاقات التي انتهت بصورة طبيعية مع مرور الوقت، فتواجه نوعًا مختلفًا من المخاطر؛ فالشخصان اللذان جمعتهما أوجه تشابه كبيرة خلال سنوات الشباب قد يصبحان مختلفين تمامًا بعد مرور عقود، خصوصًا على مستوى القيم والمواقف.
كما أن الاختلافات السياسية والفكرية التي لم تكن موجودة في مرحلة الشباب، أو لم تكن تمثل عائقًا أمام العلاقة آنذاك، قد تصبح لاحقًا سببًا للتوتر وتحول لقاءً كان متوقعًا أن يكون دافئًا إلى مواجهة حادة.
وتزداد الحاجة إلى التعامل بحساسية عندما يكون أحد الطرفين قد مر بظروف صعبة، في الوقت الذي يبدو فيه الطرف الذي بادر بالتواصل ناجحًا وسعيدًا في حياته.
وحتى مع غياب أي نية سلبية، قد يفسر الطرف الآخر رسالة التواصل على أنها تحمل قدرًا من الشفقة أو حتى الشماتة، وهو ما قد يفسد فرصة استعادة العلاقة بصورة حقيقية ويجعل التواصل مصدرًا لمزيد من الحساسية بين الطرفين.
متى يكون التواصل قرارًا سليمًا؟
ويعتمد اتخاذ قرار سليم بشأن استعادة التواصل مع أصدقاء الماضي، أولًا، على وضوح الدافع وراء هذه الخطوة؛ فالتواصل الذي ينطلق من اهتمام صادق بالشخص الآخر يختلف عن التواصل الذي تحركه حاجة نفسية شخصية، لذا من المهم تقييم ما إذا كان اللقاء سيحقق فائدة للطرفين، وليس لطرف واحد فقط.
وإذا كان التواصل يحمل منفعة متبادلة، يمكن اعتباره خطوة مدروسة، بينما يستدعي الاعتماد على الدوافع الشخصية وحدها قدرًا أكبر من التريث.
ولا تعمل الدوافع النفسية الثلاثة المرتبطة باستعادة العلاقات القديمة بشكل منفصل في العادة، إذ قد تجتمع في قرار واحد بنسب متفاوتة.
ويساعد إدراك هذه الدوافع وفهم أسباب التواصل على اتخاذ قرار أكثر نضجًا، وتقليل احتمالات مواجهة نتائج غير متوقعة.
