الإفصاح التفاعلي.. لماذا نخفي نجاحاتنا ونكشف إخفاقاتنا؟
لطالما ساد الاعتقاد بأن مشاركة أسرارنا وتجاربنا تبدأ بدوافع ذاتية بحتة؛ لكن دراسة نُشرت في مجلة Organizational Behavior and Human Decision Processes، تكشف آليةً مختلفة تمامًا: الإفصاح التفاعلي، وهو ما يحدث حين يسمع شخص قصة غيره، فتتحرك في داخله الشرارة التي تدفعه لكشف تجربته الخاصة، ليتحول الحديث من مجرد استماع إلى تواصل إنساني متبادل.
وقادت الدراسة إيمي برينسلو من جامعة رايس، وإيرين سكوبيليتي أستاذة التسويق والعلوم السلوكية في كلية بايز للأعمال، إلى جانب الباحثين جورج لوينستاين وجواكيم فوسجيرو.
وشملت الأبحاث تسع تجارب منفصلة، وشارك فيها 8229 مشاركًا في سياقات متنوعة، من مقابلات العمل إلى النتائج الصحية والأوضاع المالية.
متى يشارك البعض إخفاقاتهم؟
في التجربة الأولى، تخيّل 900 مشارك تلقّيهم نتائج اختبار العمر البيولوجي؛ فحين أُخبر المشاركون بأن زميلاً شارك إخفاقًا مماثلاً، أفصح 87% منهم عن إخفاقهم.
وفي المقابل، حين شارك الزميل نجاحًا مماثلاً، أفصح 70% فقط عن نجاحهم؛ لكن الفجوة كانت أكثر حدةً في حالات التعارض؛ إذ أفصح 54% من أصحاب الإخفاقات عن إخفاقهم لزميل ناجح، بينما أفصح 16% فقط من أصحاب النجاحات عن نجاحهم لزميل فاشل.
وفي دراسة التفاعل الحي، تشاور 946 مشاركًا في غرف دردشة مباشرة بعد أداء مهمة ألغاز مُهيأة للتحكم في نتائجها، وحين أخفق كلا الطرفين، شارك 96% من المشاركين إخفاقهم؛ وحين نجح الاثنان، تراجعت النسبة إلى 73%.
وفي الحالات غير المتطابقة، شارك 81% من أصحاب الإخفاقات تجربتهم السلبية مع من نجح، فيما شارك 40% فقط من الناجحين أخبارهم الإيجابية مع من أخفق.
الدافع وراء عدم مشاركة النجاح
في تجربة شملت 812 مشاركًا طُلب منهم تخيُّل سيناريو قبول عرض عمل أو رفضه، ولوحظ تزايد التباين في السلوكات كلما حمل المشاركون مشاعر تقدير ومودة حقيقية تجاه الطرف الآخر.
وفي المقابل، أدى تراجع هذه المودة إلى انخفاض تلك الأنماط السلوكية بشكل ملحوظ، وهو ما يؤكد أن الرغبة الصادقة في مراعاة مشاعر الآخرين والرفق بها هي الوقود الحقيقي وراء هذا التصرف.
وتتجلى هذه الرغبة الصادقة في مراعاة الآخرين عبر سلوكات تعويضية لافتة؛ فعندما شعر المشاركون بأنهم في موقف أفضل من أصدقائهم، بذلوا جهدًا واضحًا للتخفيف عنهم؛ حيث كتبوا رسائل أطول، واستعانوا بعبارات الاعتذار لامتصاص صدمة الخبر، بل وتعمّد بعضهم تأخير إعلان نجاحه إلى مرحلة متأخرة من الحوار.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ لجأت فئة قليلة منهم إلى تحريف تفاصيل نجاحها والتقليل منه عمدًا، في محاولة نبيلة لحماية مشاعر أصدقائهم وأحاسيسهم.
لماذا يشارك الناس إخفاقاتهم؟
أضافت الدراسة الثالثة، التي أجرتها على 801 مشاركًا، تفصيلاً جوهريًا: الميل لمشاركة الإخفاقات يبلغ ذروته حين يتطابق موضوع التجربتين.
وحين اختلف الموضوعان، تراجعت معدلات الإفصاح عن الإخفاق، ما يعني أن الناس يدركون أن الإخفاق غير المرتبط بالسياق قد يبدو مُهربًا للموضوع بدلاً من كونه تضامنًا حقيقيًا.
وصفت سكوبيليتي هذا النمط قائلةً: "حين يتحدث أحدهم عن إخفاقه، كثيرًا ما نختار الإفصاح عن إخفاق مشابه، ليس تنافسًا، بل تعبيرًا عن التضامن".
