لماذا يستطيع بعض الأشخاص النوم 4 ساعات فقط؟ العلم يجيب
يقف المرء متأملاً تلك اللحظة التي كشف فيها باحثو معهد "وايل" للعلوم العصبية بجامعة "UCSF"، برئاسة يينغ-هوي فو ولويس بتاشيك، عن سر عائلة يتوارث أفرادها الاكتفاء بساعات نوم قليلة عبر ثلاثة أجيال متتابعة، دون أن يحمل شريطهم الوراثي أي أثر لطفرة جين DEC2 الشهيرة، والتي كان الفريق نفسه قد أماط اللثام عنها عام 2009 لدى عائلة أخرى.
وأظهرت المقارنة الجينية بين أفراد العائلة طفرة نادرة في جين ADRB1، تمثلت في تغير حمض أميني واحد داخل بروتين المستقبل الذي يشفره الجين.
وأدى هذا التغير إلى إنتاج بروتين يتحلل بسرعة أكبر مقارنة بالنسخة الطبيعية، ويوصل إشارات أضعف عند تنشيطه. وتعد هذه الطفرة نادرة جدًا، حيث تظهر في قواعد بيانات التسلسل الجيني البشري بمعدل أربع حالات فقط لكل مئة ألف شخص.
كيف يؤثر جين ADRB1 على الدماغ؟
أدخل الفريق البحثي الطفرة ذاتها على فئران المختبر. تلك الفئران نامت نحو 55 دقيقة أقل في اليوم مقارنةً بالفئران العادية، وكان الفارق مركّزًا في ساعات الظلام، أي وقت نشاطها الطبيعي، وذلك في الدراسة المنشورة في مجلة Neuron.
وأوضحت نتائج الدراسة أن المستقبلات الوراثية تركزت بشكل أساسي في منطقة جسر الدماغ الظهري (dorsal pons)، حيث تنشط خلايا هذه المنطقة أثناء اليقظة ومرحلة حركة العين السريعة (REM)، بينما يقل نشاطها خلال النوم العميق.
وأظهرت التجارب أن التحفيز الضوئي لهذه الخلايا أدى إلى إيقاظ الفئران فورًا من النوم العميق دون التأثير في مرحلة (REM)، في حين تطلب تنشيط الخلايا لدى الفئران الحاملة للطفرة تيارًا كهربائيًا أضعف، وهو ما يدعم فرضية أن الطفرة تُسهل عمل منظومة اليقظة وتُقلل من ساعات النوم.
هل يؤثر جين ADRB1 على النوم دائمًا؟
في المقابل، اختبر فريق بحثي مستقل هذه الطفرة الجينية في عينة ضخمة من مشروع (UK Biobank) البريطاني الذي يتابع نصف مليون بالغ، حيث أظهرت النتائج وجود 69 شخصًا غير مترابطين يحملون طفرة جين (ADRB1).
وسجل هؤلاء الحاملون للطفرة متوسط نوم بلغ 7.1 ساعة مقارنة بـ 7.2 ساعة لغير الحاملين لها، في حين بلغت نسبة من ينامون ست ساعات أو أقل 23.2% بين الحاملين للطفرة مقابل 23.7% لدى غيرهم، دون أن يُبلغ أي شخص من الـ 69 عن نوم يقل عن أربع ساعات، وهو النطاق الزمني الذي تميزت به العائلة الأصلية.
كما أظهرت القياسات المأخوذة من أجهزة تتبع حركة المعصم لـ 15 شخصًا من الحاملين للطفرة متوسط نوم قدره 7.6 ساعة مقابل 7.3 ساعة لسائر المشاركين، لتخلص نتائج الفريق إلى أن ظهور هذه الطفرة عشوائيًا لدى أفراد خارج العائلة الأصلية قد لا يُحدث أثرًا يُذكر.
5 جينات للنوم القصير وليس جينًا واحدًا
أوضح التقدم العلمي في أبحاث النوم عدم اقتصار الاكتشافات الجينية على جين (ADRB1) فحسب، إذ وثّق الباحثون جين (DEC2) عام 2009، وجيني (NPSR1) و(ADRB1) عام 2019، تلاهما (GRM1)، ثم جين (SIK3) عام 2025.
وكشفت تجارب دراسة جين (SIK3) عن تباين واضح بين التقارير الذاتية وواقع المتابعة الدقيقة، حيث أظهرت سجلات أجهزة تتبع حركة المعصم لامرأة تبلغ من العمر 70 عامًا متوسط نوم فعلي قدره 6.3 ساعات، وذلك عقب ادعائها الاكتفاء بنوم ثلاث ساعات فقط.
على صعيد آخر، يواصل فريق الباحثة فو تجاربه على فئران هجينة تحمل الطفرة وتُنتج بروتين "تاو" المرتبط بمرض ألزهايمر.
وأسفرت النتائج عن تسجيل هذه الفئران فترات أطول من نوم حركة العين السريعة (REM)، وانخفاضًا في تراكم بروتين "تاو" في جزء محدد من جذع الدماغ، وهي نتائج ما زالت محصورة في النماذج الحيوانية حتى الآن.
ما لم تقسه الأبحاث حتى الآن
اقتصرت الدراسات العلمية على قياس مدد النوم فقط، دون فحص مدى وقاية الحاملين للطفرة الجينية من المخاطر الصحية المرتبطة بقلة النوم لدى عموم الناس، مثل أمراض القلب ومؤشرات الخرف المبكر.
كما لم تشمل الاختبارات تقييم تأثير الطفرة في السلامة النفسية، والمناعة، والأداء المعرفي متعدد المهام.
وتظل الفجوة الأبرز قائمة في تحديد الأسباب التي تجعل هذه الطفرة تُقلّص ساعات النوم داخل عائلة محددة، بينما يغيب هذا الأثر تمامًا لدى 69 حاملاً غير مرتبطين بها.
ويرجع الباحثان "فو" و"بتاشيك" هذا التباين إلى دور باقي الجينوم الشخصي في تحديد نطاق تأثير الطفرة، وهي عوامل جينية مكملة لم تُكتشف أبعادها بعد.
